حين أراد أطفال هدى المشاركة في تحدي القراءة العربي والأولمبياد العلمي السوري، واجهوا عائقاً لم يكن مرتبطاً بقدراتهم أو طموحاتهم، وإنما بجنسيتهم. فالأطفال الثلاثة وُلدوا في سوريا، لكنهم لا يحملون جنسيتها، تماماً مثل والدهم وجدهم اللذين وُلدا في البلاد أيضاً، لتصبح العائلة أمام واقع استمر ثلاثة أجيال متعاقبة.
هدى سورية تزوجت من رجل يحمل الجنسية العراقية، رغم ولادته في سوريا لأم سورية وأب عراقي مولود في البلاد. ومع إنجاب أطفالهما الثلاثة، امتدت المشكلة إلى جيل جديد، وبدأت تظهر آثارها في تفاصيل حياتهم اليومية، من المسابقات التعليمية إلى الفرص الرياضية.
وتروي هدى أن أطفالها لم يتمكنوا من المشاركة في تحدي القراءة العربي والأولمبياد العلمي السوري بسبب جنسيتهم، كما واجهوا، إلى جانب والدهم، عقبات عند محاولة الانضمام إلى أحد منتخبات كرة القدم. وتقول إنهم أُبلغوا بأنهم سيُعاملون بوصفهم هواة، ولن يصبحوا من العناصر الأساسية للفريق لعدم حملهم الجنسية السورية.
لكن ما عاشته عائلة هدى طوال هذه السنوات قد يجد طريقه إلى التغيير. فمع طرح مقترح لتعديل قانون الجنسية السورية، يتجدد الأمل بإمكانية حصول أبناء السوريات على جنسية أمهاتهم، وإنهاء عقبات قانونية أثّرت في حياة عائلات امتدت جذورها في سوريا عبر أجيال.
ثلاثة أجيال في سوريا بلا جنسيتها
بالنسبة إلى هدى، يمثل مقترح تعديل قانون الجنسية أملاً بمعالجة واقع عاشته أسرتها عبر ثلاثة أجيال، واستعادة فرص حُرم منها أطفالها رغم ولادتهم ونشأتهم في سوريا، البلد الذي تنتمي إليه والدتهم.
وترى أن تمكين المرأة السورية من نقل جنسيتها إلى أبنائها هو “ألف باء حقوقي كمواطنة سورية”، معتبرةً أن المساواة في هذا الحق أمر كان ينبغي تحقيقه منذ سنوات.
وتأمل هدى أن يتيح التعديل لأطفالها التمتع بكامل حقوق المواطن السوري، والمشاركة في المسابقات والأنشطة العلمية التي تشترط الجنسية، إلى جانب تسهيل معاملاتهم وحقوقهم في التملك، بدءاً من تسجيل خط هاتف وصولاً إلى امتلاك منزل.
ولا تفصل هدى هذه الخطوة عن نضال النساء السوريات من أجل المساواة، مؤكدةً أن “الحقوق لا تُعطى وإنما تُنتزع”، ومعربةً عن فخرها بالناشطات النسويات اللواتي تعرضن، بحسب وصفها، لأشكال مختلفة من الأذى المادي والمعنوي خلال مطالبتهن بحقوق النساء.
وتقول إن هؤلاء الناشطات واجهن تحديات مضاعفة لكونهن سوريات ونساء ونسويات، ومع ذلك واصلن نضالهن لتحقيق العدالة والمساواة في المجتمع السوري.
وتتطلع هدى إلى أن تتبع تعديل قانون الجنسية إصلاحات أخرى، تشمل رفع سن الزواج ومنع زواج الفتيات دون العشرين، وضمان مسكن للأم الحاضنة، وسن قوانين تجرّم التشهير بالنساء وإيذاءهن، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن تحقيق المساواة في الأجور بين النساء والرجال عند تساوي المؤهلات والخبرة والمركز الوظيفي.
رويدا كنعان.. خطوة نحو المساواة طال انتظارها
ترى الباحثة والناشطة النسوية السورية رويدا كنعان أن مقترح تعديل قانون الجنسية يمثل فرصة لمعالجة تمييز قانوني طالما طالبت الحركة النسوية بإنهائه، لكنها تؤكد أن الحكم على أهمية التعديل يتوقف على صيغته النهائية ومدى تحقيقه المساواة بين النساء والرجال.
وتوضح كنعان أن “المعيار الأساسي لتقييمه هو معرفة ما إذا كان سيعترف بالمرأة السورية مصدراً أصيلاً للجنسية، مثل الرجل، أم سيكتفي بتوسيع الاستثناءات التي تسمح لها بنقل جنسيتها إلى أطفالها”.
وتشدد على ضرورة معرفة شروط التعديل، ومدى شموله السوريات وأطفالهن داخل البلاد وخارجها، وإمكانية تطبيقه بأثر رجعي، لافتةً إلى أن اكتساب الطفل الجنسية تلقائياً عن طريق أمه يجعلها حقاً أصيلاً منذ الولادة، في حين أن طلب الحصول عليها قد يجعلها مشروطة بموافقة إدارية، مع ضرورة التمييز بين تسجيل حق قائم وطلب اكتساب الجنسية.
ورغم ذلك، تعتبر كنعان أن إقرار تعديل لا يحقق المساواة الكاملة قد يشكل مكسباً مرحلياً يمكن البناء عليه، مؤكدةً أهمية الاعتراف بجهود الحركة النسوية التي ناضلت من أجل هذا الحق، وكذلك جهود المسؤولين في الحكومة السورية الحالية لدفعه نحو الإقرار، من دون أن يعني دعم الخطوة تأييد السلطة التي تتبناها.
وفي ما يتعلق بالأولويات المقبلة، ترى كنعان أن إصلاح قانون الجنسية تأخر أصلاً، وتضع تعديل قانون الأحوال الشخصية وإقرار قانون شامل لمناهضة العنف ضد النساء ضمن أبرز المطالب التشريعية، بالتوازي مع إصلاح المناهج التعليمية لمواجهة التصورات الاجتماعية التي تعيد إنتاج التمييز.
رشا الطبشي.. سنوات من العمل وآمال بتغيير فعلي
من جهتها، ترى رشا الطبشي، مؤسسة حملة “جنسيتي من حقن”، أن الإعلان عن مقترح تعديل قانون الجنسية أثار حالة من الفرح والتفاؤل لدى النساء اللواتي عملت معهن الحملة طوال تسع سنوات، أملاً في إنهاء المشكلات القانونية التي تواجه أبناءهن، بمن فيهم البالغون.
لكن الطبشي تشير إلى أن هذا التفاؤل ترافق مع مخاوف من ألا تشمل الصيغة المطروحة جميع النساء، مؤكدةً أن الحملة لم تطّلع بعد على تفاصيل المسودة وشروطها النهائية، وأن المعلومات المتداولة بشأن استثناء بعض الفئات، ومنها أبناء السوريات المتزوجات من فلسطينيين، لم تتأكد رسمياً.
وتوضح أن الحملة وثّقت حالات متنوعة لنساء وأطفال واجهوا صعوبات في تسجيل الزواج والمواليد، والالتحاق بالمدارس والحصول على الرعاية الصحية، فضلاً عن مشكلات العمل والتملك والميراث. كما تشير إلى معاناة سوريات خارج البلاد يعجزن عن إدخال أطفالهن إلى سوريا بسبب غياب الوثائق أو تكاليف التأشيرات.
وتلفت الطبشي إلى أن اشتراط تسجيل الزواج رسمياً قد يحرم نساءً خارج سوريا من الاستفادة من التعديل، مشيدةً في الوقت نفسه بتسهيلات تقدمها وزارة الداخلية لتسجيل بعض الزيجات، وفق شهادات نساء تواصلن مع الحملة.
وتكشف أن الحملة تعمل بالتوازي مع مجموعة من أعضاء مجلس الشعب على إعداد مسودة متكاملة لتعديل قانون الجنسية، تتجاوز المادة الثالثة وحدها، مشددةً على أن مطلبها الأساسي هو منح المرأة السورية حق نقل جنسيتها إلى أبنائها وبناتها دون قيود أو شروط، وبما يشمل البالغين أيضاً.
وتؤكد الطبشي أن إنصاف النساء يتطلب الاعتراف بهن مواطنات يتمتعن بحقوق مساوية للرجل، وضمان ألا يؤدي التعديل المرتقب إلى استمرار التمييز أو استثناء فئات عانت من أحكام القانون طوال السنوات الماضية.
لينا وفائي.. ترحيب بالتعديل وتحذير من ثغراته
ترى لينا وفائي أن أي قانون يحقق تقدماً في حقوق المرأة يستحق الترحيب، حتى عندما لا يكون كافياً لتلبية جميع المطالب، معتبرة أن منح المرأة السورية حق نقل جنسيتها إلى أبنائها خطوة ضرورية في مسار طويل نحو المساواة.
وتكتسب هذه الخطوة، بحسب وفائي، أهمية خاصة في سوريا بعد سنوات الحرب، التي خلّفت أوضاعاً قانونية معقدة لنساء اضطررن إلى إعالة أطفالهن بمفردهن، في ظل فقدان الأزواج أو وفاتهم، أو تعذر تسجيل الزواج والولادات وإثبات النسب.
وتشير إلى أن كثيراً من النساء لم يتمكنّ من توثيق زواجهن بسبب ظروف النزوح والحرب، سواء في المناطق التي تعطلت فيها مؤسسات الأحوال المدنية، أو في المخيمات داخل سوريا وخارجها.
وتؤكد وفائي أن حق المرأة في نقل جنسيتها إلى أطفالها يجب أن يكون ثابتاً بصرف النظر عن الظروف التي مرت بها الأسرة، معتبرة أن الاعتراف بهذا الحق سيشكل خطوة مهمة في حماية الأمهات والأطفال من استمرار المشكلات القانونية التي فرضتها الحرب.
لكنها تبدي تحفظاً واضحاً على ما طُرح بشأن اشتراط تسجيل الزواج رسمياً، محذرة من أن تطبيق هذا الشرط من دون معالجة الحالات الاستثنائية قد يؤدي إلى استبعاد النساء الأكثر حاجة إلى التعديل.
وتوضح أن بعض الزيجات جرت خلال الحرب بصورة دينية أو عرفية، من دون إمكانية توثيقها لدى الجهات الرسمية، ثم توفي الأزواج أو فقدوا قبل استكمال الإجراءات. وتلفت إلى أن هذه الحالات لا تقتصر على الداخل السوري، وإنما تشمل نساء أقمن في مخيمات دول الجوار، ومنها لبنان والأردن.
وترى وفائي أن إلزام جميع النساء بإثبات تسجيل الزواج وفق الإجراءات المعتادة يفترض إمكانية الوصول إلى الوثائق أو حضور الزوج واستكمال المعاملات، وهو أمر تعذر على كثير من الأسر خلال سنوات الحرب.
وتحذر من أن استثناء هؤلاء النساء وأطفالهن سيضيف أعباءً جديدة إلى واقعهن، ويحد من قدرة التعديل على معالجة المشكلات التي يُفترض أن يسهم في حلها.
وعلى المستوى التشريعي، تشير وفائي إلى استمرار التناقض بين بعض القوانين السورية المتعلقة بحقوق المرأة، ولا سيما الأحكام التي تنظم الولاية على الأطفال وصلاحيات الأم داخل الأسرة.
وترى أن التقدم في قانون الجنسية يمكن أن يشكل بداية لمسار إصلاحي أوسع، مع إدراكها أن معالجة التمييز في التشريعات تحتاج إلى وقت وجهود متواصلة.
كما تبدي قلقها من التحديات السياسية والتشريعية التي قد تعترض إقرار التعديل، في ظل استمرار مواقف اجتماعية وسياسية تعارض توسيع حقوق النساء، لكنها تؤكد أهمية مواصلة العمل على تحقيق الإصلاحات القانونية، حتى عندما يكون التقدم تدريجياً.
وتشدد وفائي على ضرورة مراجعة قانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات، وإقرار تشريعات فعالة لمناهضة العنف الأسري، وخصوصاً العنف ضد النساء والأطفال، باعتبار أن المساواة القانونية تتطلب معالجة مختلف أشكال التمييز.
ورغم إدراكها صعوبة هذا المسار، ترى أن كل خطوة يمكن تحقيقها تمثل تقدماً يستحق البناء عليه، وأن العمل من أجل حقوق النساء سيستمر مهما كانت العقبات.
زاهر كعدي.. المساواة في الجنسية تتطلب إصلاحاً تشريعياً أوسع
يرى المحامي زاهر كعدي أن مقترح تعديل قانون الجنسية السورية يمثل فرصة مهمة لإنهاء التمييز بين الأم والأب في نقل الجنسية إلى الأبناء، مشدداً على أن جوهر الإصلاح المطلوب يتمثل في الاعتراف بالأم مصدراً أصيلاً للجنسية، بحيث يكتسب الطفل جنسية والدته السورية بصرف النظر عن جنسية الأب أو مكان الولادة.
ويقول كعدي: “الأم السورية يجب أن تكون مصدراً أصيلاً للجنسية، تماماً كالأب، بحيث يكتسب الطفل الجنسية السورية بمجرد ثبوت بنوته لأم سورية، بصرف النظر عن جنسية الأب أو مكان الولادة”.
ويؤكد ضرورة ألا يقتصر التعديل على الأطفال المولودين بعد إقراره، بل أن يشمل أبناء السوريات الذين تجاوزوا الثامنة عشرة، وأبناء المتزوجات من فلسطينيين مع مراعاة خصوصية وضعهم القانوني، والأطفال المولودين نتيجة زيجات غير مسجلة رسمياً، موضحاً أن عدم تسجيل الزواج يجب ألا يشكل عائقاً مطلقاً أمام حق الطفل في جنسية أمه، ما دامت البنوة قابلة للإثبات بالوسائل القانونية.
ويلفت كعدي إلى أن المساواة في نقل الجنسية لا تعني تلقائياً المساواة في الولاية والوصاية، إذ تخضع هذه المسائل لقانون الأحوال الشخصية، الذي يمنح الأب صلاحيات قانونية لا تتمتع بها الأم بالضرورة، حتى عندما تكون المسؤولة الفعلية عن رعاية أطفالها.
ولذلك، يدعو إلى مراجعة أحكام الولاية على النفس والمال، والبحث في إقرار الولاية المشتركة بين الأبوين، إلى جانب تعديل قانون الجنسية وإضافة أحكام انتقالية تعالج أوضاع الأبناء الذين حُرموا سابقاً من جنسية أمهاتهم.
ويختتم كعدي بالتأكيد على أن “المساواة الحقيقية لا تتحقق بتعديل مادة واحدة، وإنما بمنظومة تشريعية متكاملة تجعل مصلحة الطفل معياراً أساسياً، وتعترف بالأم والأب باعتبارهما شريكين أصيلين في المسؤولية القانونية والأسرية”.
ويؤكد ضرورة التمييز بين الحضانة والولاية والوصاية عند مناقشة الإصلاحات، حتى يكون التغيير واضحاً في أثره القانوني، وقابلاً للتطبيق.
وبحسب كعدي، فإن الإصلاح التشريعي المطلوب ينبغي أن يشمل ثلاثة اتجاهات مترابطة: تعديل قانون الجنسية لتحقيق المساواة بين الأب والأم، وإضافة أحكام انتقالية لمعالجة الحالات القائمة، ومراجعة قانون الأحوال الشخصية بما يحقق توازناً أكبر في المركز القانوني للوالدين.
ويشدد على أن مصلحة الطفل يجب أن تكون المعيار الأساسي في هذه الإصلاحات، وأن يتم الاعتراف بالأم والأب شريكين أصيلين في المسؤولية القانونية والأسرية.
مقترح تعديل قانون الجنسية السورية يقترب من الإقرار
أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، هند قبوات، الأربعاء، أن مقترح منح الجنسية السورية لأبناء السوريات المتزوجات من غير سوريين وصل إلى مرحلة الإقرار، وذلك خلال مشاركتها في حلقة نقاش حول الهوية القانونية في سوريا، عُقدت بمقر الأمم المتحدة في جنيف.
وأوضحت قبوات أن لجنة تضم ممثلين عن جهات حكومية تدرس المقترح، في إطار جهود معالجة مشكلات الوثائق الثبوتية والهوية القانونية، ولا سيما الحالات المتأثرة بسنوات الحرب والنزوح.
ورغم التقدم المعلن في مسار المقترح، لم تصدر بعد صيغته التشريعية النهائية، وسط ترقب لما سيتضمنه من شروط وضمانات، ومدى شموله أبناء السوريات الذين حُرموا من الجنسية خلال السنوات الماضية.
- تلفزيون سوريا
























