دمشق – “القدس العربي”: “أي وجع أكبر من أن تكون أرضك على مرأى بصرك، وأشجارك مثقلة بالثمار، فيما يحرمك جنود إسرائيليون مدججون مغتصبون من الوصول إلى أرزاقك” بهذه الكلمات تختصر أم حمّاد من أهالي قرى حوض اليرموك جنوب سوريا، وجع خسارة الأرض وتحويشة العمر. فقد باتت مصادر الرزق رهينة الحواجز والتحركات العسكرية الإسرائيلية التي تقيد حرية السكان، وتحرمهم من الوصول إلى أراضيهم.
وفي قرى جملة وعابدين ومعرية وصيصون ومحيطها القريب من وادي الرقاد، تتداخل هذه المخاوف مع تداعيات اقتصادية ومعيشية، حيث تكشف التوغلات الإسرائيلية المتكررة وفق شهادات أهال تحدثوا لـ “القدس العربي”، عن عجز وقهر أمام محاصرة جنود الاحتلال مصادر رزقهم، من خلال عرقلة وصول المزارعين إلى أراضيهم، ومضايقة رعاة المواشي، والإضرار بخلايا النحل، فضلا عن المخاوف من اقتحام المنازل ليلا أو حتى نهارا جهارا، في ظل عزوف بعض السكان عن الزراعة أو البناء، وتراجع قيمة الأراضي والعقارات، وسط خشية من فقدان الممتلكات أو الاضطرار إلى مغادرة الأرض.
تستعيد أم حمّاد، صورة وادي الرقاد بوصفه متنفسا للعائلات ومصدرا لخيراتها، قبل أن تتحول الطرق المؤدية إليه إلى مصدر قلق
وتستعيد أم حمّاد، في حديثها لـ “القدس العربي” صورة وادي الرقاد بوصفه متنفسا للعائلات ومصدرا لخيراتها، قبل أن تتحول الطرق المؤدية إليه إلى مصدر قلق.
فكيف تغيرت الحياة اليومية في حوض اليرموك مع تكرار التوغلات الإسرائيلية؟ وما المضايقات التي يتعرض لها المزارعون ورعاة المواشي؟ وكيف انعكست هذه التحركات على الزراعة وتربية النحل وأسعار الأراضي؟ وهل بات الأهالي يفكرون في مغادرة قراهم، أم لا يزالون متمسكين بأرضهم رغم المخاوف؟
متنفس للعائلات
تقول أم حماد: يروق للناظر إلى وادينا تنوع خيراته الطبيعية، من أشجار التين والعنب والرمان إلى الثمار الموسمية والبرية، كالفطر والعكوب والشومر، ومحاصيل القمح والشعير في مواسم الشتاء، حيث يعد المكان متنفسا للعائلات التي تقضي أيام الربيع والصيف على ضفاف الشلالات والأنهار هناك، عدا عن أنه مصدرا للرزق بالنسبة للمزارعين.
لكن هذه الحياة توقفت، حسب أم حمّاد “عند الحاجز الإسرائيلي على مدخل الوادي، والذي كان سابقا حاجزا تابعا للنظام السوري، إذ إن الوجود العسكري بات أكثر ما يرهب الفلاحين، الذين يواجهون إجراءات تفتيش وانتظار قد تستمر أحيانا خمس ساعات يوميا”.
وتقول: “يستوقف الجنود الإسرائيليون المزارعين ويسألونهم عن أسباب دخولهم الوادي، حتى عندما يكونون متجهين إلى أراضيهم الزراعية أو لتفقد خلايا النحل، ويطلبون هوياتهم ويدققون فيها قبل إعادتها إليهم، لمضايقتهم وعرقلة وصولهم إلى مصادر رزقهم”.
وتتحدث لـ “القدس العربي” عن تكرار التحركات العسكرية الإسرائيلية في محيط بلدات جملة وعابدين وصيصون وغيرها من القرى المنتشرة في حوض اليرموك، مشيرة إلى أن القوات الإسرائيلية تجوب المنطقة في معظم الأيام باستخدام سياراتها العسكرية، ما يثير الخوف بين السكان ويزيد من مضايقاتهم اليومية.
وتضيف: مع حلول المساء، كل ليلة، يتجنب رجال وشبان القرية المبيت في منازلهم، ويتوجهون إلى المناطق الأكثر عمقا وأمنا، خشية توغل دوريات عسكرية تحت جنح الظلام، وشن عمليات دهم واعتقال تستهدف الشباب.
يستوقف الجنود الإسرائيليون المزارعين ويسألونهم عن أسباب دخولهم الوادي، حتى عندما يكونون متجهين إلى أراضيهم الزراعية أو لتفقد خلايا النحل
وتقول: لا نسعى إلى مواجهة أحد، ولا نملك سلاحا لذلك سوى الصمود، وتختم بالقول باللهجة العامية: “إحنا هاي الأرض إلنا، وما بدنا غير نعيش فيها بسلام”.
وتنتشر مجموعة من القرى على ضفتي وادي الرقاد، فمن الجهة الجنوبية تقع قرى المسريتية وصيصون وجملة وعابدين ومعرية، فيما تقع على جهته الشمالية قرى خسفين وأبو خيط وكفرلما والعال وحيتل وجبين. ويمتد الوادي نحو عشرة كيلومترات، قبل أن يلتقي بوادي اليرموك الذي يشكل الحدود الطبيعية بين سوريا والأردن.
ويحتل الكيان الإسرائيلي جميع القرى السورية الواقعة على الجهة الشمالية للوادي، وهي وتتبع لمحافظة القنيطرة، وتقع في هضبة الجولان. ويتفرع من وادي الرقاد وادي سحيق جدا يسمى وادي طعيم ينتهي شمال قرية جمله ويبلغ طوله كيلومترا واحدا فقط، كما يبلغ عمق الوادي نحو 300 متر تقريبا وينتهي بملاقاة وادي اليرموك بنقطة الصفراي بمستوى سطح البحر.
ويمتد تأثير التوغلات الإسرائيلية حسب زاهر الخليلي، إلى مربي المواشي والنحالين، متحدثا عن حالات متكررة للاستيلاء على الأغنام وإلحاق أضرار بخلايا النحل.
ويقول لـ “القدس العربي”: يخشى رعاة الأغنام على مواشيهم أثناء رعيها في الوادي، إذ من الممكن يستولي الجنود الإسرائيليون على أعدادا منها وهو ما يحدث بصورة متكررة، وأحيانا يوميا، من دون أن يتمكن أصحابها من الاعتراض أو معرفة مصيرها، لافتا إلى أن “هذه المواشي هي مصدر رزق أساسي لأصحابها الذين يعتمدون عليها في تأمين معيشتهم”.
ويضيف: خرّبت دورية للقوات الإسرائيلية قبل نحو أسبوع منحلي الذي يضم 15 خلية على الأقل، بعدما دهست بيوت النحل بدبابة ومنعتني من دخول وادي الرقاد.
سوق العقارات
كما يروي مقداد أبو جلال من أهالي حوض اليرموك لـ “القدس العربي”، كيف امتدت تداعيات التوغلات الإسرائيلية لتطال الاستقرار السكاني وسوق العقارات مع تراجع قيمة الأراضي وعزوف السكان عن البناء والشراء، في ظل غياب الشعور بالأمان والخشية من اقتحام المنازل في أي وقت.
سعر دونم الأرض الذي كان يبلغ نحو 40 مليون ليرة سورية قبل ثلاث أو أربع سنوات، انخفض حاليا إلى نحو 15 مليون ليرة
ويقول: يرفض ابني العائد من تركيا شراء منزل في المنطقة، بسبب تحذيرات الأهل والجيران من غياب الأمان والاستقرار في قرى حوض اليرموك.
ويضيف أن سعر الدونم الذي كان يبلغ نحو 40 مليون ليرة سورية قبل ثلاث أو أربع سنوات، انخفض حاليا إلى نحو 15 مليون ليرة، وسط غياب شبه كامل للمشترين، بعدما كانت الأراضي تشهد منافسة بين الراغبين في شرائها.
ويتابع أن كثيرا من السكان باتوا يفكرون في بيع أراضيهم ومغادرة المنطقة، فيما توقف آخرون عن البناء، خشية أن تتحول المنازل التي يشيدونها إلى ممتلكات لا يستطيعون الاحتفاظ بها، في حال توغل القوات الإسرائيلية إلى المنطقة.
ويختصر بلهجته الحورانية مخاوف الأهالي فيقول: “الناس تسأل ليش نبني ونتعب، إذا ممكن تدخل القوات الإسرائيلية في أي لحظة وتستولي على ما بنيناه، ويمكن تصير هالأرض غزة ثانية”. ويضيف: ” لسنا إرهابيين، ولا نريد الاقتراب منهم، ولا يقربوا منا .. تركونا نعيش”.
- القدس العربي























