عاد ملف المياه ليتصدر المشهد في الجنوب السوري، بعدما دخلت آليات هندسية تابعة للجيش الإسرائيلي إلى سد المنطرة في القنيطرة يوم الثلاثاء الماضي. وبيّنت مقاطع مصوّرة وجود عربات عسكرية ورافعتين في موقع السد، ولم يتمكن السكان ولا الصحافيون بعدها من بلوغ جسم السد الشرقي للاطلاع على طبيعة العمل، وسط أنباء عن سحب مياه البحيرة نحو الجولان المحتل.
يضاعف موقع السد وحجمه من خطورة ما يجري، ذلك أن سد المنطرة يتصدر سدود محافظة القنيطرة، وتمتد بحيرته على قرابة 2.8 كيلومتر مربع، وهو قائم ضمن منطقة منزوعة السلاح، على بعد أقل من كيلومترين من خط الفصل ، في محيط شهد سابقاً اقتلاع القوات الإسرائيلية لأشجار زيتون ونصب الحواجز ومداهمة القرى، مع قيامها بحملات اعتقال للشبان واليافعين.
عاد ملف المياه إلى واجهة التوتر في الجنوب السوري، مع دخول آليات إسرائيلية إلى سد المنطرة في القنيطرة، وسط مخاوف من سحب مخزونه نحو الجولان المحتل
يتزامن ذلك مع شحّ حاد في المخزون، إذ أعلن مدير الموارد المائية في المحافظة أن ما جمعته السدود هذا الموسم لا يتعدى 18 مليون متر مكعب من سعة تصميمية تبلغ 83.38 مليوناً، أي نحو خُمس طاقتها، وردّ ذلك إلى الجفاف المتكرر في السنوات الأخيرة .
في حال تأكد سحب المياه، ستجد دمشق نفسها في موقف صعب، فهي تتفادى الصدام العسكري، وتعوّل على المسار التفاوضي لإرجاع القوات الإسرائيلية إلى مواقعها قبل سقوط نظام بشار الأسد، وإعادة العمل باتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974
عشرة أمتار والسيادة
حضرت المياه في رسم الحدود منذ زمن الانتداب. فالترسيم الذي وضعته اللجنة البريطانية – الفرنسية برئاسة بوليه ونيوكومب، وصُدّق عليه عام 1923، ضمّ بحيرة طبريا بكاملها إلى فلسطين الانتدابية، وأبعد الأرض السورية عن ضفتها الشمالية الشرقية بشريط لا يتجاوز عرضه عشرة أمتار. وحصل السوريون في المقابل على حق الصيد والإبحار في البحيرة، وهو حق انتفاع لا يرتب سيادة عليها.
غير أن الخريطة تبدلت بعد حرب 1948، فقد أفرزت هدنة 1949 مناطق منزوعة السلاح، وأعادت المواجهات المتكررة خلال السنوات اللاحقة توزيع السيطرة، فدخلت سوريا حرب حزيران 1967 وهي ممسكة بأجزاء من الساحل الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا. وعلى هذا الأساس طالبت دمشق بانسحاب إسرائيلي إلى خط الرابع من حزيران.
هنا تكمن أهمية المسافة بين الخطين، فخط 1923 يُبقي سوريا خلف شريط يفصلها عن الماء، بينما يضعها خط 1967 على ضفة البحيرة نفسها. وفي مقابلة أجرتها “مجلة الدراسات الفلسطينية” ونُشرت عام 1997، قلّل وليد المعلم وزير خارجية نظام بشار الأسد من حجم هذا الفارق جغرافياً، لكنه شدد على أنه مسألة سيادية. فدمشق عدّت استرجاع تلك البقعة شرطاً لاكتمال الانسحاب، ولم تقبل بانسحاب يتركها على مبعدة من الماء، في حين أصرت إسرائيل على الاحتفاظ بالبحيرة وضفافها، فاختلط ترسيم الحدود بضمانات الانتفاع بالمياه وحمايتها. وإلى جانب عقبات أخرى أمام التسوية، منحت بحيرة طبريا نزاعاً على أمتار معدودة وزنًا يفوق مساحته. ولا يحسم بلوغ الضفة وحده حصص الضخ، فهي تحتاج إلى ترتيب مستقل في أي اتفاق.
حضرت المياه في رسم الحدود منذ زمن الانتداب. فالترسيم الذي وضعته اللجنة البريطانية – الفرنسية برئاسة بوليه ونيوكومب، وصُدّق عليه عام 1923، ضمّ بحيرة طبريا بكاملها إلى فلسطين الانتدابية
الليطاني وحدود التوسع
أما في لبنان، فالليطاني يثير إشكالًا من نوع آخر، فهو نهر ينبع ويصب داخل أراضي دولة واحدة، وتريد دولة احتلال مجاورة أن تجعله خط حدودها. فوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش طالب بأن تمتد حدود إسرائيل حتى النهر، بينما تحدث وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن بسط سيطرة أمنية تصل إليه وتشمل جسوره. والطرحان مختلفان ، حيث الحدود الجديدة في الأول، والانتشار العسكري في الثاني.
تعود جذور هذا الطموح إلى المذكرة التي رفعتها المنظمة الصهيونية إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، والتي جعلت مدّ الحدود شمالًا شرطًا للوصول إلى مصادر المياه. ولا يعني التذكير بذلك أن كل عملية عسكرية قرب الليطاني غرضها تحويل مياهه، لكنه يُظهر أن النظر إلى النهر تخطى كونه عائقاً عسكرياً ليبلغ التطلع إلى ضمّ الأرض المحيطة به لإحكام القبضة عليه. وبينما دار نقاش عن بحيرة طبريا حول عودة سوريا إلى ضفة كانت تمسك بأجزاء منها، يدور طرح اليميني سموتريتش حول دفع حدود إسرائيل إلى عمق لبنان .
المياه على طاولة التفاوض
لا تتوقف قضية سد المنطرة على تسوية تحدد لمن تعود البحيرة أو كيف تُقسم مياهها، فالسد منشأة سورية، ووجوده ضمن منطقة الفصل لا يعطي الجيش الإسرائيلي حق التصرف فيه. ولهذا ينبغي ألا يُرهن الكشف عما يجري عنده، ولا السماح للفنيين بالوصول إليه، بمآلات المفاوضات السياسية.
العودة إلى ترتيبات 1974 شأن يتعلق بانتشار القوات وبالتمدد الإسرائيلي الأخير، أما التسوية النهائية فتتصل بالانسحاب من الجولان المحتل وبالحدود وبطبيعة العلاقة بين البلدين. لكن التمييز بين المسارين لا يجوز أن يجعل المنشآت المائية عرضة لتعديلات تبقى آثارها قائمة حين تهدأ الجبهة.
ختاما، يفترض دمشق أن توثق ما يحدث، وأن تعلن ما لديها من بيانات عن السد، وأن تتمسك بحق أجهزتها في مراقبته وصيانته، وتقديم الشكاوى الواحدة تلو الأخرى وبشكل مستمر الى مجلس الامن بحق الانتهاكات اليومية لقوات جيش الاحتلال.
- أساس ميديا






















