كان من المتوقع أن تنتهي تداعيات قرار محافظ دمشق حول المشروبات الروحية بانتهاء الوقفة الاحتجاجية ضد القرار والوقفة الاحتجاجية المضادة التي نظمها سوريون يعلنون رفضهم للخمور، غير أن هذه القضية تحولت كما هو واضح إلى حالة صراع وأزمة قد تتوسع أكثر مع استمرار تدفق المتظاهرين المؤيدين لقرار محافظ دمشق والمطالبين علناً بدولة إسلامية تمنع فيها الخمور بالمطلق، ويتم فيها حمل الأعلام الإسلامية بعدد أكبر بكثير من علم الدولة.
قد تبدو تلك القضية لكثيرين مجرد حادثة عابرة أو تفصيل لا يستوجب التوقف عنده كثيراً، غير أن ملف منع الخمور لم يقفل بعد ويبدو أنه ذاهب للتوسع، وليس من المستغرب أن يشكل فتيل فتنة إضافية توقظ الحساسيات النائمة بين مكونات الشعب السوري، وتزيد من احتمالات اصطدامه في الوقت الذي يحلم فيه السوريون بتقليص المسافة بين تلك المكونات.
بعد أن دخل أحمد الشرع دمشق فاتحاً ومحرراً، سمع السوريون منه خطاباً كان الجميع يتوقون إليه، الجميع بمن فيهم الطوائف المختلفة والأديان الأخرى والعلمانيون والليبراليون، حيث ركز الشرع حينها على ضرورة التسامح والترفع عن الانتقام والثأر، وكان أكثر ما لفت النظر في حديثه هو تأكيده على بناء دولة تقوم على العدالة والمساواة من خلال تطبيق القانون، وحدد مرجعية الدولة بالقانون والذي سيصوغه حقوقيون متخصصون ولا أحد غيرهم.
سمع السوريون وسمع العالم من الشرع حينها أعمق الخطابات وأكثرها وعياً بخطورة المرحلة الانتقالية وبالاحتياجات الحقيقية والاستحقاقات الدقيقة والحساسة التي تتطلبها المرحلة، وكذلك استحقاقات المستقبل والرؤية العامة التي ستصوغ ذلك المستقبل.
كان ذلك الخطاب مفاجئاً وشكل صدمة إيجابية حتى لدى المعادين لهيئة تحرير الشام والمعارضين لأي شكل من أشكال الحكم المرتكز على أساس ديني، فقد كانت توقعات كثيرين أن المنتصرين ذوي الخلفية الجهادية لن يقدموا أية رؤية أخرى في حكم سوريا غير الشريعة الإسلامية والسير على طريق “أفغنة” سوريا، فإذا بهم يواجهون حالة وعي كبيرة جعلت كثيرين ممن كانوا ضد الهيئة يعيدون حساباتهم ويتوجهون للانخراط مع القيادة الجديدة بحكم الضمانات التي قدمها الرئيس في أول ظهور له بعد التحرير، وأكد فيها على اعتماده الخط الوطني وليس الخط الأيديولوجي والعقائدي الذي كان متوقعاً من جماعة أسست وجودها على الفكر الديني.
ورغم تمسك الشرع بالهوية الدينية على المستوى الشخصي بشكل واضح، إلا أن ذلك لم يشكل قلقاً للمكونات السورية المتعددة، ولا للليبراليين أو حتى العلمانيين، فقد كان تحديد القانون كمرجعية للحكم كافياً للاطمئنان على المرحلة المقبلة.
وبالاعتماد على ذلك الطرح الذي قدمه حينها، ارتفع رصيد الرئيس على المستوى الشعبي ومستوى النخب، لأن ذلك الطرح كان متوافقاً مع مفهوم المواطنة أي مع ما كان معظم السوريين يتطلعون إليه، ومع ما كان هدفاً أساسياً لثورة 2011، وتخلى كثيرون من العلمانيين عن شرط تحديد هوية الدولة بالشكل العلماني غير الملتبس، حيث وجدوا في خطاب الرئيس ما يعكس تطلعاتهم من دون أن يكون بشكل مباشر ولم يجد الديمقراطيون حرجاً حينما تجنب الرئيس الحديث عن الديمقراطية، فالأهم بالنسبة لهم أن تقوم الدولة على القانون، وأن يكون القانون هو الناظم الأساسي للعلاقة بين أفراد المجتمع.
ورغم تمسك الشرع بالهوية الدينية على المستوى الشخصي بشكل واضح، إلا أن ذلك لم يشكل قلقاً للمكونات السورية المتعددة، ولا للليبراليين أو حتى العلمانيين، فقد كان تحديد القانون كمرجعية للحكم كافياً للاطمئنان على المرحلة المقبلة.
وفي الحقيقة فإن جوهر العلمانية يتجلى في ذلك الطرح، فمن خلال الاعتماد على القانون الوضعي المدني، سنكون أمام دولة مدنية وهو التوصيف المتشابه إلى حدود التطابق مع بنية العلمانية، وهنا لن يختلف السوريون على الألفاظ، وقد تأكدت تجليات هذا التوجه في الأشهر الأولى التي تلت التحرير، حيث لم تتدخل الإدارة الجديدة في حياة المواطنين وقناعاتهم، لم يتم فرض الحجاب مثلاً، أو التدخل بحريات الناس الفردية أو تغيير نمط العلاقات الاجتماعية وفقاً للشريعة، باستثناء بعض التصرفات التي طغى عليها الطابع الفردي، أو هكذا تم تصديرها في حينها، كانت كل الإشارات التي صدرت من القيادة الجديدة توحي بأنها منسجمة مع طرح الرئيس، مما رسخ الطمأنينة وراهن السوريون على الوقت مراعين الأعباء الثقيلة للحكومة الجديدة ريثما يتم ترسيخ القيم المأمولة في انتظار حالة الاستقرار المرتقبة ووضوح المشهد.
وفي ذروة التفاؤل، جاءت أحداث الساحل لتعيد كرة التساؤلات والتشكيك إلى ملعب الأحداث، فقدت الحكومة الجديدة ثقة معظم أبناء الساحل من الطائفة العلوية، وبصرف النظر عن الحقائق التي ضاع كثير منها ضمن الروايتين المتناقضتين، إلا أن النتيجة أفضت بالنهاية إلى أزمة ثقة ولا سيما حين انتصر كثيرون من أبناء الطائفة السنية للرواية المضادة لرواية الحكومة، ومعظم هؤلاء وجدوا أن وعود الرئيس لم تكن سوى كلام جميل ومتقن كذّبته الوقائع، ومنذ ذلك الوقت بدأ الرصيد الشعبي للرئيس الشرع بالتناقص.
وما إن هدأت زوبعة الساحل، حتى ضجت الساحة السورية بأحداث السويداء والتي حولت حالة التشكيك إلى حالة عداء مطلق مع السلطة في دمشق من قبل معظم سكان محافظة السويداء من الطائفة الدرزية، ولا سيما حينما ارتبطت الانتهاكات بالبعد الطائفي، وهذا ما دفع بكثيرين ممن كانوا متحمسين لمشروع الرئيس أن يتراجعوا ويقفوا في الضفة المقابلة، وهو ما كان من شأنه توسيع الشرح وتضخّم أعداد المعادين للسلطة القائمة.
ومع الحل السلمي الذي تم التوصل إليه مع قسد، وهدوء الساحل نسبياً وتجميد العلاقات مع السويداء، بدأت ملامح الأمل تعود من جديد، وبدأت الحياة تميل إلى الاستقرار في انتظار محاسبة من ارتكبوا الانتهاكات في كل من الساحل والسويداء، وكان التخلص من قانون قيصر إنجازاً كبيراً ومضخة نفسية لتوسعة دائرة الأمل وإعادة جسور الثقة بين السوريين رغم عدم ظهور مؤشرات على الأرض تدل على الاستفادة من إبطال مفاعيل ذلك القانون، ولكنّ السوريين عادوا ثانية للمراهنة على الوقت، وبدت الحياة السورية تمشي ببطء باتجاه الاستقرار.
غير أن بعض القرارات والتصرفات لمسؤولين في السلطة، فجرت ينابيع الشك والريبة من جديد، ويمكن الوقوف في هذا السياق على قرار محافظ دمشق الخاص بمنع بيع المشروبات الروحية إلا في أماكن محددة، ومنع تقديمها في البارات والمطاعم، الأمر الذي أثار كثيرا من الجدل واللغط وموجات كبيرة من الاحتجاج والانتقاد، وأدى إلى اعتصامات واعتصامات مضادة، ورغم كل التفسيرات والتأويلات التي حدثت ورغم التوضيح الذي قدمه المحافظ، إلا أن خطورة مثل ذلك القرار لا تأتي من كونه مضاداً للمشروبات الروحية أو مضاداً لمن يتعاطاها، فالخطورة تكمن في مكانين شديدي الحساسية، أولهما كونه تحرشاً بالمسيحيين حتى وإن كان غير مقصود، رغم أن معظم مسيحيي سوريا وقفوا مع الإدارة الجديدة وفضلوا الانحياز لوطنهم على معتقدهم، ولم يبدوا أي حالة عداء مع توجهات الدولة، وكانت الإدارة حتى ذلك التاريخ تعاملهم بالمثل وبالنوايا الطيبة مما عزز الثقة إلى حد كبير، غير أن قرار المحافظ شكّل انعطافة وفجوة واسعة في جسور الثقة، والأخطر أن القرار كان بمنزلة رسالة لكل السوريين تدل على أن القيادة الجديدة لا بد ذاهبة إلى بناء دولة عقائدية وليس دولة قانون كما وعد الشرع.
لا يمكن التأكيد طبعاً على قصدية ذلك القرار، غير أنه من حيث الشكل والمحتوى يدل مباشرة على تلك الاستنتاجات، وربما يكون من جملة الأخطاء والارتجالات التي يرتكبها المسؤولون والموظفون، ولكن في كل الأحوال فإن أي قرارات يمكن أن تصرف إلى فكرة التأسيس لدولة عقائدية ستكون مناقضة لتصورات الرئيس الشرع ووعوده وتعهداته، فقرار منع الخمر، بصرف النظر عن الموقف الشخصي من هذا القرار، ومهما اختلفت تأويلاته، لا يمكن أن نحيله إلى حالة قانونية بل إلى موقف عقائدي يفتح الهوامش واسعة للتشكيك في نوايا البناء القانوني للدولة.
إن تلك التصرفات والقرارات من شأنها أن تؤدي إلى تآكل الرصيد الشعبي للرئيس الشرع، وتبدو الممارسات الخاطئة بمنزلة تهكير لذلك الحساب، فالرئيس الذي نظر السوريون إليه كبطل مخلص استطاع الإطاحة بالأسد بعد كل اليأس الذي سيطر عليهم، واستطاع أن يمنع الانتقام الطائفي أو سيطر عليه في حدوده الدنيا، واستطاع أن يبهر السوريين بأطروحاته، كل ذلك الرصيد الكبير يمكن أن يصرفه رجال من المحسوبين عليه ويستنفدونه، وبالتالي ربما يفقد الرئيس ذلك الرصيد بالتدريج، والأهم من ذلك كله أن يتم تفسير تلك الممارسات على أنها بأوامر منه أو بأنه موافق عليها بالحد الأدنى، فعندها سيتلاشى ذلك الرصيد بشكل كامل، ولن يبقى له من داعمين سوى من يتفقون مع مفهوم الدولة العقائدية، وهؤلاء -على كثرتهم- لن يكونوا قادرين على حمل فكرة الدولة ولن يكونوا قادرين على حماية استمرارية الشرع في ظل المتناقضات الكبرى المترسخة في سوريا، وفي ظل القوى المتصارعة ومعايير المجتمع الدولي الداعم حتى الآن لفكرة بناء الدولة السورية.
في النهاية ثمة طريقان: أولهما طريق باتجاه واحد وهو طريق مغلق ومسدود ولا يمكن الوصول من خلاله إلى الهدف، وثانيهما: طريق متشعب يوصلنا إلى ما نريد بطرق شتى، وإذا كانت الإدارة الجديدة مع بناء الدولة فلا بد أن تسلك الطريق الثاني، وإذا كانت تريد مصالحها فقط فلا بد أن تسلك الطريق الثاني أيضاً، وإلا فستكون أداة عرقلة للبناء والمصلحة العامة وأداة تخريب حتى لمشروعها الشخصي.
إن انقلاب كثيرين ممن كانوا يدعمون الإدارة الجديدة ووقوفهم في الضفة المقابلة بات أمراً ملحوظاً، ربما لم يتحول بعد إلى ظاهرة، غير أن استمرار ارتكاب الأخطاء وتراكمها وعدم تدخل الإدارة لإعلان موقف صريح وحاسم من تلك الممارسات، سيزيد بلا شك أعداد المنقلبين، وقد يتحول الأمر إلى جائحة، ومن هنا فإن الإمساك باللحظات الأخيرة ووقف التسيب والاستهتار وتطبيق الوعود التي جذبت السوريين للالتفاف حول هذه القيادة ودعمها سيكون الضمانة الوحيدة للمرحلة القادمة، وهذا يتطلب سرعة وحسماً ووضوحاً لا يقبل الالتباس، ومن دون ذلك سيتواصل انهيار الجسور وانفراط العقد ثانية بحيث لا تتاح الفرصة للملمته من جديد.
- تلفزيون سوريا



























