ملخص
تعرضت إحدى القواعد العسكرية للجيش السوري قرب بلدة اليعربية في ريف الحسكة لقصف صاروخي عبر 5 صواريخ انطلقت من محيط قرية تل الهوى، بعمق 20 كيلومتراً داخل الأراضي العراقية.
منذ اندلاع حرب إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي بهجمات إسرائيلية – أميركية بدا بنك الأهداف مكتظاً بعمليات نوعية ومتلاحقة شملت اغتيالات قادة على المستوى السياسي والعسكري.
كانت خسارة إيران الكبيرة للمرشد الأعلى علي خامنئي بضربة جوية أثناء اجتماع له مع بعض القادة، فضلاً عن ضرب مواقع عسكرية. وفي أعقاب كل تلك المعارك الدائرة حتى اليوم عبر المسيرات والصواريخ الموجهة بات ملاحظاً نضوب بنك الأهداف بين أطراف الصراع ومعه يتحسس المتحاربون الخطوات للوصول إلى أهداف جديدة وحاسمة تنهي شبح الحرب التي خيمت على المنطقة بأسرها.
معركة برية
لم يتوقف الشارع السوري عن مشاهدة النيران القادمة من شرق سوريا عبر الصواريخ العابرة فوق المدن المأهولة بالسكان من طهران إلى تل أبيب، حيث يستخدم سلاح الجو الإسرائيلي السماء السورية للعبور إلى إيران لتنفيذ ضرباته، لكن مع مرور الوقت بات ينظر إلى الأرض في سوريا على أنها يمكن أن تضع نقطة النهاية لهذه الحرب في حال اندلاع أية معركة برية تخشى دمشق والدول المجاورة لها حدوثها.
وتعرضت إحدى القواعد العسكرية للجيش السوري قرب بلدة اليعربية في ريف الحسكة لقصف صاروخي عبر خمسة صواريخ انطلقت من محيط قرية تل الهوى، بعمق 20 كيلومتراً داخل الأراضي العراقية. ويروي مصدر ميداني أن كون القاعدة التي جرى استهدافها “خراب الجير” تخضع حالياً لسيطرة الجيش السوري، وتنتشر في داخلها الفرقة 60، وكانت القوات الأميركية شغلت هذا الموقع قبل إجلاء عناصرها وتسليمه إلى دمشق إلى جانب قواعد مهمة واستراتيجية مثل “التنف” و”الشدادي” قبل اندلاع الحرب وسط توترات أمنية تخيم على المنطقة.
أذرع إيران
في غضون ذلك ينظر المتابعون إلى التطورات الأخيرة بكثير من الحذر حيال نشاط عسكري للميليشيات العراقية الموالية لإيران، خصوصاً في حال “امتدت المعركة وطال زمنها”، وفق ما يرجح الباحث في العلاقات الدولية محمد حاج عثمان خلال حديثه إلى “اندبندنت عربية”.
وتزداد هذه الاحتمالية مع تأخر الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب، وليس مستبعداً دخول أذرع إيران العسكرية ومنها الميليشيات العراقية في نطاق واسع للدفاع عن نظام الملالي في طهران، سواء على الأراضي العراقية أو أبعد من ذلك السورية لفتح طريق إمداد أو تنفيذ عمليات تخريبية تستهدف نقاطاً أميركية، أو المشاغبة على الحدود.
ويقول حاج عثمان، “لا بد من معرفة أن كل الفصائل العسكرية التي تدعمها إيران من أهم أهدافها الدفاع عن النظام وقت الأزمات، وهذا ما شاهدناه في لبنان حين ألقى ’حزب الله‘ صواريخ عدة على أراضٍ إسرائيلية على رغم رفض الحكومة اللبنانية هذا القرار الأحادي من قبل جماعة موالية لطهران وتخدم مصالحها فحسب. ولهذا وإن بدت الميليشيات العراقية هادئة إلى حد ما من الجهة السورية فإنها تحاول تحقيق إنجازات محدودة على الأرض بمخالب ضعيفة فإنها بالتأكيد تخضع لرقابة صارمة تمنع عناصرها من النشاط على الحدود تزامناً مع وصول قوات من الجيش السوري انتشرت على الحدود مع الجانبين العراقي واللبناني تحسباً لمنع أي تسلل”.
إلى ذلك، يحاول الرئيس السوري أحمد الشرع بث رسائل للداخل السوري وخارجه فحواها تجنيب بلاده شبح الحرب والنزاع الدائر، أو أي حرب في الشرق الأوسط، وينشد الوفاق مع جميع الدول الإقليمية بعدما كانت سوريا ساحة للصراع والنزاع لقرابة 15 عاماً.
هجمات محدودة
ومن المعلوم للجميع انتظام الآلاف من الميليشيات العراقية بالحرب السورية بين عامي (2011 – 2024)، حيث كانوا يخضعون لتدريبات عسكرية في معسكرات مغلقة في السيدة زينب ويعفور بريف دمشق، وكذلك معسكرات في ريف حلب ويشكل العدد الإجمالي لتلك الميليشيات نحو 20 ميليشيات مسلحة عراقية تتبع “الحشد الشعبي”، ومن أبرزها “أبو الفضل العباس” و”النجباء” و”الوعد الصادق”، وجميعها انسحبت مع سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 وهربه إلى موسكو.
وفي إحاطة للمتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية في دول العراق وإيران والخليج العربي بمعهد واشنطن للأبحاث مايكل نايتس أوضح أن الحكومة العراقية لم تتخذ أي إجراءات تذكر ضد قوات “الحشد الشعبي” خلال الحرب على رغم إطلاق طائرات مسيرة وصواريخ إيرانية الصنع باتجاه القوات الأميركية، وشنت جماعات شيعية موالية لإيران مثل “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” هجمات على البنية التحتية للطاقة في شمال العراق بالتوازي مع حزمة عقوبات واسعة النطاق تستهدف شبكات النفط والغاز العراقية التي تسهل أنشطة مرتبطة بقوات “الحشد الشعبي”، وقدرة النظام الإيراني الالتفاف على العقوبات الدولية.
ويعتقد الباحث نايتس في خلاصة ورقة تحليلية نشرها معهد واشنطن بعنوان “التصدي للتهديدات الصادرة عن وكلاء إيران وشركائها في وقت الحرب” بأن الحرب مع إيران صرفت انتباه أميركا عن أفضل فرصة متاحة لها منذ عام 2003 لإبعاد بغداد من طهران. ويقول، “في يناير (كانون الثاني) الماضي وجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات حادة إلى نوري المالكي ملوحاً بسحب الدعم الأميركي بالكامل في حال إعادة تعيينه رئيساً لوزراء العراق، ومع ذلك غيرت الإدارة لهجتها مع اقتراب اندلاع الحرب، وعليه ينبغي على واشنطن استئناف جهودها لدفع القادة العراقيين بعيداً من طهران”.
ومع هذا كشف وزير الداخلية العراقي عبدالأمير الشمري عن انتشار قطعات أمنية لتأمين الحدوج العراقية – السورية مع إنجاز تحصينات وسواتر وخنادق بنسبة كبيرة على الشريط الحدودي، إضافة إلى مراقبة بالكاميرات الحرارية والطائرات المسيرة، وصرح لوسائل إعلام عن عدم وجود أي خرق، وأن أية محاولات للتسلل يجري التعامل معها على الفور.
أخطار عسكرية
وإزاء ما يدور على الحدود بين البلدين، وما يمكن ترقبه من تطورات يلفت الباحث العراقي في السياسة الخارجية نظير الكندوري النظر إلى الدور الكبير للميليشيات العراقية في مساندة نظام بشار الأسد في حربه ضد الشعب السوري، لكنها حسب رأيه وبعد انتصار الثورة سارعت للانسحاب من سوريا تجنباً الصدام العسكري مع فصائل المعارضة.
ويجزم في هذا السياق بخلو أي دور للميليشيات العراقية حالياً أو مستقبلياً في سوريا. أما فيما يخص ضربات الميليشيات التي طاولت قواعد عسكرية في سوريا يعلق عليها قائلاً، “لن تشكل خطراً عسكرياً حقيقياً على سوريا، ولا يعني أن هذه الميليشيات لديها النية بالتدخل بصورة كبيرة إنما كانت تريد أن تقوم بعمل عسكري مساند لإيران في حربها الحالية، فلم تجد هدفاً سهلاً سوى هذه الأهداف الموجودة في سوريا، وحتى هذه الضربة اعتقلت القوات الحكومية العراقية المنفذين لها”.
وكانت السلطات العراقية اعتقلت أربعة أشخاص من بينهم شخصاً يحمل الجنسية اللبنانية بعد تنفيذ عملية إطلاق الصواريخ على الأراضي السورية ما تركت تأثيراً وتوتراً أمنياً على الشريط الحدودي، في حين أكدت بغداد عدم السماح بتكرار مثل هكذا عمليات في إطار التزامها بعدم استخدام أراضيها للاعتداد على دول أخرى، ودعت دول عربية (السعودية، والإمارات، والكويت، وقطر، والبحرين، والأردن) في بيان مشترك الحكومة العراقية اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الهجمات التي تنطلق من أراضيها باتجاه دول الجوار.
وبالعودة إلى الحدود السورية يستبعد الباحث العراقي الكندوري حدوث أية تحركات مستقبلية لهذه الميليشيات على الأراضي السورية، والسبب كما يراه يتوقف على رد الفعل العسكري من قبل دمشق، والذي يمكن حسم مثل هذا التدخل. وأضاف “المتوقع أن تساند الولايات المتحدة القوات السورية جوياً في تصديها إلى تلك الميليشيات، مع ذلك نحن نرجح أن الإدارة السورية ستستوعب تلك الضربات ولن تصعد في الموقف”.
ويستبعد كذلك أن تندلع حرب برية بين العراق وسوريا على خلفية التحرشات التي تقوم بها الميليشيات العراقية، فالجانبان رسمياً لا يريدان التورط في مثل هذه النزاعات العسكرية، وأي تحرك عسكري عراقي ضد سوريا سيستدعي دخول القوات الأميركية لمساندة دمشق، وأقرب مثال على ذلك هي الضربات الأميركية التي طاولت مقار “الحشد” في القائم القريبة من الحدود السورية.
- إندبندنت



























