خامسهم هم من يعاني من غدر إيران لجيرانها الذين يتعرّض بعضهم لانهمار مسيّرات متفجّرة عليه وإسقاط صواريخ لأوّل مرّة في تاريخه الحديث.
سادسهم الذي يعاني هو “الحزب” الذي يعيش حالة صراع بين اتّباع أوامر الوليّ الفقيه المعصوم ومعاندة الرئيس اللبنانيّ الشرعيّ.
يعتمد كلّ ذلك على نتيجة واقعيّة صريحة وواضحة، وهي حجم الضرر الذي سبّبه كلّ طرف للآخر.
حجم الضرر في هذه الحرب هو مقياس النجاح الأساس الذي سوف يبني عليه كلّ طرف شروطه ومطالبه من الآخر.
تقدير مخطئ؟
لا يوجد حتّى الآن منتصر كامل ولا مهزوم كامل.
الأمر المؤكّد أنّ ميزان القوّة الاستراتيجيّة، حجم التسلّح، نوعيّة النشاط الاستخباريّ ومجموع الإنفاق العسكريّ تميل بشكل لا جدال فيه لمصلحة الولايات المتّحدة وإسرائيل.
لكنّ الأمر المؤكّد أيضاً أنّ تقدير الموقف العسكريّ قبيل بدء انطلاق الطلقة الأولى والقذيفة الأميركيّة الإسرائيليّة الأولى كان مخطئاً في تقويم أمرين:
– الأوّل: قدرة إيران على امتصاص الضربة الأولى.
– الثاني: قدرة إيران على الردّ على الضربات القويّة والمفاجئة بالصواريخ والمسيّرات الإيرانيّة للأهداف الاستراتيجيّة في المنطقة، وفي ضرباتها تجاه إسرائيل ووجهتها الرئيسة تل أبيب، القدس، حيفا، إيلات، وأخيراً مستوطنات الضفّة الغربيّة المحتلّة. ثمّ كانت الضربة الإيرانيّة المرعبة في محيط مدينة ديمونة حيث يوجد المفاعل النوويّ الإسرائيليّ.
لم يكن مستغرباً أن يقف ترامب أمام الكاميرات بعد ساعات قليلة من اليوم الأوّل للقتال ليطالب إيران بالاستسلام الفوريّ
قلّل كلّ طرف من قدرة الآخر، سواء في الدمار أو القدرة على احتواء الضربات.
كان التقدير الأميركيّ المتأثّر بقوّة بالنتيجة الاستراتيجيّة التي قدّمها له بنيامين نتنياهو أثناء زيارته الأخيرة للولايات المتّحدة أنّ اغتيال المرشد الأعلى سيؤدّي حكماً إلى تداعي وسقوط النظام الإيرانيّ في أيّام معدودة.
لذلك لم يكن مستغرباً أن يقف ترامب أمام الكاميرات بعد ساعات قليلة من اليوم الأوّل للقتال ليطالب إيران بالاستسلام الفوريّ دون قيد أو شرط بعدما تمّ اغتيال مرشدها الأعلى.
بعد ذلك دخل ترامب في مرحلة “الاندهاش” من عدم استسلام الإيرانيّ.
بعدئذٍ تابع سرعة استبدال النظام لقياداته التي لم يهضمها.
ثمّ أعلن عدم إعجابه باختيار النظام في إيران لمجتبى خامنئي خليفة لوالده، وأعرب عن خيبة أمله من هذا الاختيار، مؤكّداً أنّه كان يفضّل اختيار خليفة آخر.
المرحلة الحاليّة هي مرحلة دخول ترامب في حالة الرغبة في الخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه، ومحاولة تسويق فكرة أنّ إيران ضعفت تماماً وتطالب بالتفاوض.
فاجأ ترامب الجميع بأنّ هناك اتّصالات تتمّ بينما قام وزير الخارجية الإيرانيّ عبّاس عراقجي بنفيها تماماً وقال إنّ هناك وساطات من قبل أصدقاء ونحن نردّ على أسئلتهم، وهذا لا يعني أبداً حالة تفاوض.
أكّدت التقارير الواردة إلى ترامب من رئاسة أركان جيشه ومن غرفة العمليّات اليوميّة:
1ـ تدمير أهمّ 50 حصناً من الصواريخ التي تحيط طهران، وبذلك أصبحت سماء العاصمة مفتوحة أمام الطائرات الأميركيّة والإسرائيليّة.
2ـ دقّة الإصابات والتدمير لأكثر من 10 آلاف هدف داخل إيران من طهران إلى أبعد نقطة، وهي مشهد.
3ـ تدمير وإغراق أكثر من 200 قطعة بحريّة صغيرة ومتوسّطة، واغتيال الجنرال البحريّ وصاحب خطّة احتلال وإغلاق مضيق هرمز.
حجم الضرر في هذه الحرب هو مقياس النجاح الأساس الذي سوف يبني عليه كلّ طرف شروطه ومطالبه من الآخر
4ـ تناقص ملحوظ في عدد الصواريخ المتعدّدة المديات والصواريخ البالستيّة، وعدم التمكّن من التعويض بسبب تناقص المخزون.
على الرغم من هذه المعطيات التي تؤكّد لترامب أنّ النصر حادث لا محالة، وأنّه ينتظر لحظة أن يبلغه ستيف ويتكوف الخبر السعيد بأنّ طهران سلّمت وعلى استعداد للتفاوض بشروطه، حتّى كتابة هذه السطور، يجلس ترامب في مكتبه البيضاوي ولا يرنّ هاتفه الساخن الأحمر لكي يسمع الخبر السعيد، لكن يسمع ترامب عن الإغلاق الكامل لمضيق هرمز، وعن تداعيات هذا الإغلاق على الاقتصاد العالميّ، وشكوى المواطنين الأميركيّين من تجاوز سعر غالون البنزين خمسة دولارات ومن ارتفاع السلع التموينيّة وخسائر البورصات الأميركيّة، ويسمع صيحات الديمقراطيّين في مجلسَي الشيوخ والنوّاب، وقلق أنصاره في الحزب الجمهوريّ وحركة “ماغا”، ويتلقّى اتّصالات من دول المنطقة التي تعرب عن قلقها العميق من استمرار إيران إطلاق الصواريخ والمسيّرات في المنطقة.

هنا يأتي سؤال منطقيّ:
كيف يمكن لترامب أن يقول إنّه دمّر قدرة إيران البحريّة، وهي تغلق حتّى الآن مضيق هرمز؟ وكيف يقول إنّه دمّر قدرة إيران البالستيّة وما تزال تضرب إسرائيل ودول الخليج والأردن والعراق يوميّاً بوتيرة متصاعدة من عدد الصواريخ؟
في عمليّة حرب الـ 12 يوماً السابقة ضدّ إيران خرج ترامب مراراً وتكراراً ليعلن سحق وتدمير قدرات إيران النوويّة بشكل نهائيّ، وما يجري الآّن يثبت أنّه لم يحدث.
إنّها أزمة صدقيّة الرئيس الأميركيّ ومكانة القدرات العسكريّة الأميركيّة.
المرحلة الحاليّة هي مرحلة دخول ترامب في حالة الرغبة في الخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه
سؤال المليار دولار
أزمة أخرى عند ترامب، وهي القدرة على حماية دول الخليج العربيّ.
تؤكّد الإحصاءات حتّى صباح ٢٧ آذار الحاليّ أنّ 83% من الصواريخ التي أطلقتها إيران منذ بدء الحرب كانت ضدّ دول الخليج، وأنّ معظم هذه الصواريخ كانت موجّهة للإمارات والكويت.
فيما تمّ توجيه 17% من الصواريخ إلى إسرائيل، مع وجود دقّة كبيرة في توجيهها نحو الأهداف هذه المرّة على خلاف حرب الـ 12 يوماً.
يدفع كلّ ذلك جميع العقلاء إلى محاولة خفض التوتّر وتجنّب الدخول في نفق مخيف تنشب فيه حرب تكسير العظام في نوعيّة العمليّات العسكريّة التي يمكن أن تبدأ بتدمير محطّات الكهرباء وتحلية المياه في إيران والخليج، وقد تصل إلى استخدام سلاح كيمياويّ مدمّر وقنبلة نوويّة تكتيكيّة.
من هنا كان توسّط كلّ من المملكة السعوديّة ومصر وتركيا وباكستان وبريطانيا وفرنسا بين طهران وواشنطن، وتمّ الاتّفاق مبدئيّاً عبر اتّصالات بين المخابرات المصريّة ونظرائهم في الحرس الثوريّ الإيرانيّ على إعطاء فرصة لتجميد تدمير البنية التحتيّة عبر هدنة من 5 أيّام، ثمّ تمّ إقناع ترامب بمدّها 10 أيّام. حظيت هذه الاتّصالات بضوء أخضر ودعم من رئيس البرلمان الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف لعقد اجتماع رباعيّ في باكستان على مستوى وزراء خارجيّة مصر وباكستان وتركيا والمملكة السعوديّة للأهداف التالية:
في عمليّة حرب الـ 12 يوماً السابقة ضدّ إيران خرج ترامب ليعلن سحق وتدمير قدرات إيران النوويّة بشكل نهائيّ، وما يجري الآّن يثبت أنّه لم يحدث
1- خفض التوتّر الناتج عن الحرب الدائرة في المنطقة.
2- إيجاد ورقة أجندة للتوفيق بين النقاط الـ 15 التي قدّمتها إدارة ترامب والشروط الخمسة التي قدّمتها إيران.
3- البحث عن صيغة مقبولة وعمليّة لإعادة فتح مضيق هرمز للمرور والتجارة.
تؤكّد المصادر المطّلعة على ارتياح الجانب الإيرانيّ للدور الباكستانيّ في هذه الوساطة، حيث يرتبط البلدان بعلاقات تاريخيّة قويّة، وتجمع بينهما حدود مشتركة تبلغ 909 كلم، ويوجد لدى باكستان مواطنون شيعة تبلغ نسبتهم 17% إلى 20% من السكّان قادوا تظاهرات كبرى اعتراضاً على اغتيال علي خامنئي.
حينما نسأل مصدر مطّلع سؤال المليار دولار: هل نحن على أعتاب تصعيد مخيف أم هدنة مؤقّتة؟ تأتي الإجابة على الشكل الآتي: يا عزيزي في ظلّ وجود أنظمة متصارعة يقودها حاكم فرديّ انفعاليّ مثل ترامب ورئيس وزراء مأزوم ومتوحّش مثل نتنياهو ونظام طائفيّ عنصريّ متسلّط مثل النظام الإيرانيّ، فإنّ أبواب الجحيم دائماً مفتوحة حتّى لو أغلقت قليلاً!
- أساس ميديا



























