احتكار السلاح ليس تعريفاً للدولة، مطلق دولة، بل للدولة الوطنية الحديثة، التي هي وحدة النظام الدولي القائم اليوم. هناك 192 دولة وطنية أو دولة- أمة في عالم اليوم، تتكون من شعب وأرض ودولة بحصر المعنى، أي مؤسسات حكم عامة. الشعب تشكل سياسي حقوقي لمجموعات بشرية مختلفة المنابت والجذور ومتنوعة ثقافياً في جميع دول العالم بلا استثناء، يوحدهم كأفراد أنهم متساوون أمام القانون، أي حقوقياً، ومتساوون خلف القانون، أي سياسياً وفي صنع القوانين. والأرض لها حدود معترف بها، وأن كان متواتراً أن تنتهك حدود الدول الأضعف من الدول الأقوى، القريبة وربما البعيدة. والدولة بحصر المعنى هي جملة مؤسسات السلطة التي لا يكون احتكارها للسلاح، أي للعنف، شرعياً، إلا إذا كانت لا تحتكر السياسة كذلك. هذا يصلح تعريفاً لشرعية الدولة: وحدها تمارس العنف داخل جغرافيتها بشرط ألا تكون وحدها الفاعل السياسي. من شأن الجمع بين احتكار العنف واحتكار السياسة أن يؤسس لطغيان عات، يقود إلى الانفجار الاجتماعي بعد حين يطول أو يقصر مثلما حدث في سوريا. جمع الحكم الأسدي بين الاحتكارين، العنف والسياسة، فخسر الشرعية، وتسبب في الانفجار، الذي قاده في النهاية إلى حتفه. الثورة حق للمحكومين إن عملت سلطة الدولة على أن تحوز وحدها السلاح دون ضمان حريات المحكومين السياسية وحقوقهم.
وهذه راهن في سوريا اليوم: احتكار الدولة للسلاح، وهو تعبير أثير على قيادة الحكم الحالي، مشروط جوهرياً بامتلاك المجتمع للسياسة، في صورة أحزاب ومنظمات معارضة مستقلة، أو في صورة تجمعات احتجاجية في الشوارع والساحات، ودوماً مع كفالة دستورية لهذا الامتلاك. مرة أخرى، لا يكون احتكار الدولة العنف شرعياً إلا إذا كانت السياسة مشاعاً اجتماعياً.
وبلغة أخرى، وحدة السيادة (واحتكار العنف مكون أساسي لها) مرهونة بتعدد السياسة أو التعددية السياسية. وما تكسبه الدولة على مستوى الواحدية السيادية يكسبه المجتمع على مستوى الحقوق والحريات السياسية. الدستور، كتكثيف للعقد الاجتماعي يكفل هذين الوجهين معاً.
وفي السياق العياني السوري، تعمل السلطات الحالية على احتكار السلاح لكنها عبر الشيء الذي اسمه الهيئة السياسية تعمل على احتكار السياسة ذلك، وهي تضع يدها سلفاً ودون وجه حق على مقرات وملكيات حزب البعث التي تعود للشعب السوري، وتحتكر منح التراخيص للقاءات وتجمعات عامة، فتقر ما يوافق هواها وتحظر ما لا يوافقه، و”تطنش” حين يناسبها التطنيش. هذا غير شرعي، لا ينتهك حقوق السوريين في الانخراط في شؤون بلدهم العامة بعد ثورة من أجل الحرية وصراع مديد تأثر به كل واحد منهم، ودفع ما لا يقل عن نصف مليون حياتهم، فوق أنه يتعارض مع مفهوم سوريا كدولة وطنية، ومع مفهوم السوريين كمواطنين. المواطن ليس الفرد المجرد ولا هو المنسوب لرابطة أهلية، بل هو مؤسسة سياسية مستقلة.
الديمقراطية التي يتجنب المسيطرون الجدد مجرد ذكرها ليست إيديولوجية بين إيديولوجيات، بل هي الشكل القياسي للحياة السياسية في الدولة لوطنية. وسوريا تأسست كدولة وطنية منذ البداية قبل قرن ونيف، واحتكار السلاح أصلاً لا معنى له إلا في دولة وطنية (ليس معروفاً لا في الدول الدينية ولا الإمبراطوريات). ضمنياً، نعرف أن القوم يعترضون على الديمقراطية لأنها تقوم على السيادة الشعبية أو حاكمية الشعب، وهم من جماعة الحاكمية الإلهية، أو كانوا كذلك، ولا يستطيعون اليوم أن يقولوا إنهم لا يزالون حاكميين إلهيين أو إنهم ما عادوا كذلك. يركنون إلى ازدواجية دينية سياسية، باطنة ظاهرة، تذكر بالحكم الأسدي، من حيث تطييف الدولة الباطنة، المقر الفعلي للسلطة، بينما تبقى الدولة الظاهرة، الإدارات والحكومة و”مجلس الشعب” سورية عامة، لكنها بلا سلطة فعلية. ويتجاوز الأمر اليوم تطييف الوظيفة الأمنية إلى استئثار شامل بكل مفاصل الحكم من قبل طائفيين سنيين، ما يحيل غير السنيين إلى ما يقارب جاليات أجنبية.
يثير الوضع السوري اليوم أسئلة بخصوص الشرعية والوطنية والعلاقة بين الديني والسياسي
والمسيطرون اليوم لا يفكرون في السوريين أصلاً إلا منسوبين لهذه الجماعة الأهلية أو تلك، أي إلا كـ”مكونات”، على ما يشهد تعاملهم مع الجماعات عبر رجال دينها ووجهائها، تماماً مثلما كان يفعل الحكم الأسدي، وعلى ما شهد مؤخراً حصر بيع الكحول في الأحياء المسيحية من دمشق. فكرة المكونات تجعل السوريين الذين لا يُعرَّفون أنفسهم بأصول ومنابت أهلية، أي اللا جماعات أواللا مكونات، غير مرئيين وغير موجودين. يجب أن تكون كردياً أو عربياً… كي يمكن أن توجد، مسلما أو مسيحياً، سنيا أو علوياً أو درزياً أو اسماعيلياً… أما أن لا تنضوي تحت أي من هذه الفئات فهذا يعني أنك غير موجود، بلا كيان ولا حماية. فكرة المكونات تلغي فكرة المواطنة التي تقوم على الفرد المستقل الذي قد يكون مؤمناً أو لا يكون، لكنه يمثل في الحقل العام ككيان سياسي ذي حقوق مساوية لغيره، ومسؤول على قدم المساواة مع غيره.
الطائفية في السلطة، سنية أم علوية أم غيرهما، تقوض الوطنية، والدولة نفسها، أكثر حتى مما تقوضهما الدكتاتورية، وهذا فوق أنه يستحيل أن تكون الطائفية في السلطة دون أن يكون الحكم دكتاتورياً كذلك. بل أن الدكتاتورية تتحول من حالة استثناء او طوارئ مؤقتة، أي مرحلة انتقالية بسبب أزمة وطنية عامة، إلى طغيان قاتل مستمر بقدر ما تترابط مع الطائفية، مما هو جار اليوم، وكان جارياً في الحقبة الأسدية الطويلة. ليس الأسوأ في الشؤون السورية اليوم هو حكم دكتاتوري يطعن في مبدأ الدولة العامة، بل حكم طائفي يطعن مبدأ الدولة أكثر ويقوض المجتمع ذاته.
ويلبس الطائفيون الجدد الشرعية الدينية القائمة على “الشريعة” على الشرعية الوطنية القائمة على وحدة السيادة وتعدد السياسة والمواطنة. قرارات حصر الكحول وحظر المكياج في الدوائر العامة ليست شرعية بصورة مضاعفة: من جهة، اتخذ القرار في شأنها أشخاص غير منتخبين ووفقاً لهواهم وتفضيلاتهم الذاتية، في انتهاك لكفالة الإعلان الدستوري لحريات العامة؛ وهي من جهة ثانية تتعارض مع فكرة سوريا كدولة أمة، الشرعية فيها وطنية ومواطنية، وليست دينية. تناول المشروبات الكحولية هو إثم ديني، لكنه ليس جريمة يعاقب عليها قانون الدولة، والمحافظ يفترض أنه رجل دولة وليس رجل دين (مهما أمكن له أن يكون مؤمناً ملتزماً على الصعيد الشخصي).
وليس في ذلك ما ينتهك حق أي مسلم مؤمن في معتقده، لكنه ينزع عن المعتقد الديني الصفة السيادية والعامة، ويركزهما في الدولة وقوانينها المدنية. هذا يعني أن العنف المحتكر من قبل الدولة لا يمكن شرعياً إلا إذا لم يكن عنفاً دينياً أو مسوغاً بمسوغات دينية. في مجتمع متعدد الأديان، وفيها دينيون ولا دينيون، العنف الديني باسم أي دين هو عنف فئوي حصراً، أي عنف طائفي، وليس عنف سلطة عمومية شرعية.
يثير الوضع السوري اليوم أسئلة بخصوص الشرعية والوطنية والعلاقة بين الديني والسياسي، وكذلك ما يتصل بالعلاقة بين الحريات الاجتماعية والحريات السياسية. يصعب تصور أن تكون الحريات السياسية مضمونة إن لم تضمن الحريات الاجتماعية، ما يتصل بالمأكل والمشرب والملبس والاختلاط في الفضاءات العامة، ومن باب أولى الخاصة. بل إن الحريات الاجتماعية هي حريات سياسية جوهرية حين تكون مهددة مثلما هو حادث اليوم في سوريا، وهذا لأن كل شيء يصير سياسياً حين تهدده سلطة الحكم. وإذا كان مفهوم الحريات السياسية، يحيل على التعدد السياسي والمنظمات والأحزاب والانتخابات الحرية وحق الترشيح والانتخاب، وحق التظاهر والاحتجاج، فلأنه يفترض أن أكْلنا وشربنا ولبسنا أشياء محسومة، ما دامت لا تنتهك حقاً شخصياً لأحد. أما أمزجة المحافظين ومعتقداتهم الدينية فليست سنداً صالحاً للحكم في الدولة الوطنية. فما دام هؤلاء الأشخاص يشغلون مواقع رسمية في الدولة، فإن ولاءهم للدولة السورية ولشعبها المتنوع يعلو على ولائهم الديني. هذه هو المعيار الحاسم، ومن لا يستطيعون الالتزام به عليهم أن يتخلوا عن مناصبهم من باب الصدق مع النفس.
٭ كاتب سوري


























