في ذروة الغرور الإسرائيلي بالقوة، وفي لحظة الانتشاء التي توهم فيها تل أبيب نفسها بأن فائض النار يعني فائض الشرعية، يلوح خطأ استراتيجي يتكرر كثيراً في تاريخ القوى العسكرية المتفوقة، ويتمثل في الاعتقاد بأن التفوق العسكري يسمح بتوسيع المجال السياسي بلا سقف. غير أن التجربة الدولية تُظهر أن الدول لا تتضخم إلى ما لا نهاية داخل النظام الدولي، خصوصاً عندما يصبح تضخمها عبئاً على القوة الكبرى التي توفر لها المظلة الاستراتيجية.
فإسرائيل – مهما بدا خطابها السياسي مستقلاً- لا تتحرك في فراغ، لأن قدرتها على خوض الحروب الطويلة، وتفوقها العسكري النوعي، وحتى قدرتها على تحمّل الضغوط الدولية، تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة. فالسلاح، والذخيرة، والتمويل العسكري، والدعم السياسي في المؤسسات الدولية، كلها عناصر تجعل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية جزءاً من البنية الاستراتيجية للقوة الإسرائيلية نفسها. ولهذا تحديداً، فإن إعادة إسرائيل إلى حجمٍ أكثر انضباطاً – إن حدثت – لن تأتي من خطابات الخصوم أو من بيانات الاحتجاج الدولية، وإنما من واشنطن نفسها.
وما نعتقده أن السؤال الحقيقي ليس إن كانت الولايات المتحدة قادرة على ذلك، وإنما متى ولماذا قد تقرر فعله. وهنا تتقاطع ثلاثة مسارات استراتيجية كبرى: المصلحة الأمريكية، والتحولات الثقافية داخل المجتمع الأمريكي، وصعود شبكة مصالح إقليمية جديدة تربط واشنطن بدول الخليج وتركيا.
غير أن ثمة عاملاً نفسياً وسياسياً بالغ الأهمية يتسلل أيضاً، إلى هذه المعادلة: غرور القوة حين يتضخم إلى حدّ ما يمكن تسميته “جنون القوة”. فالدول التي تعتاد التفوق العسكري المطلق قد تقع أحياناً في وهمٍ خطير يوحي بأن القدرة على الانتصار في المعركة تعني القدرة على تجاهل كل الحسابات السياسية المحيطة بها. وفي مثل هذه اللحظات يبدأ السلوك السياسي للدولة في التحول من استخدامٍ عقلاني للقوة إلى استعراضٍ مفرط لها.
وعندما يصل هذا السلوك إلى مرحلة “جنون القوة”، فإنه لا يصبح مشكلةً لخصوم الدولة فقط، وإنما يتحول إلى مصدر إزعاج حتى لحلفائها المحتملين. فالدول التي كانت مستعدة – في لحظاتٍ سابقة – للتفكير في تسويات أو علاقات طبيعية مع إسرائيل قد تجد نفسها أمام دولةٍ تتصرف بثقةٍ مفرطة، لا تضع حدوداً لاستخدام القوة، ولا تأخذ في الحسبان حساسيات المنطقة ولا استقرارها طويل المدى.
وهنا تبدأ المفارقة الاستراتيجية بالظهور. فالسلوك الذي يُفترض أن يعزز الردع قد يتحول تدريجياً إلى سلوكٍ يخلق إجماعاً واسعاً على ضرورة ضبطه. بل إن هذا النمط من التصرفات قد يصبح مزعجاً حتى لواشنطن نفسها، لأن الولايات المتحدة – في نهاية المطاف – ليست معنية فقط بأمن إسرائيل، وإنما، أيضاً، باستقرار شبكة المصالح الواسعة التي تربطها بالمنطقة.
ومن زاوية المصلحة الاستراتيجية، تدرك الولايات المتحدة أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة صراع إقليمية بعيدة. فالتوترات الكبرى في المنطقة باتت تنعكس فوراً على الاقتصاد العالمي، وعلى أسواق الطاقة، وعلى الاستقرار السياسي الدولي. وكلما توسعت الحروب في الإقليم، ارتفعت الكلفة على واشنطن نفسها. وفي مثل هذه اللحظات تبدأ المؤسسات الأمريكية – العسكرية والاقتصادية والسياسية – بإعادة طرح السؤال القديم: هل يخدم السلوك الإسرائيلي المتشدد المصالح الأمريكية فعلاً، أم أنه يجرّ الولايات المتحدة إلى أزمات لا ترغب في التورط فيها؟
غير أن التحول لا يتشكل فقط في حسابات القوة الصلبة. فخلال العقد الأخير بدأت البيئة الثقافية والإعلامية داخل الولايات المتحدة نفسها تتغير تدريجياً. فالأجيال الأمريكية الشابة أقل اندفاعاً في دعم إسرائيل، وأكثر حساسية لقضايا حقوق الإنسان والحروب المفتوحة. والجامعات الأمريكية تحولت إلى ساحات نقاش واسعة حول السياسات الإسرائيلية. والإعلام الأمريكي أصبح أكثر جرأة في نقد تلك السياسات مقارنة بما كان عليه الحال في العقود الماضية. كما أن أصواتاً مؤثرة داخل الحزب الديمقراطي بدأت تطرح فكرة ربط الدعم الأمريكي لإسرائيل بمعايير سياسية وإنسانية.
العامل الأكثر استراتيجية في التحول الجاري يتمثل في تصاعد شبكة المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربي وتركيا
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف بعداً جديداً إلى المعادلة. فصور الحرب والدمار تنتشر فوراً بين ملايين الأمريكيين، مما يجعل التحكم التقليدي في الرواية الإعلامية أكثر صعوبة. وهكذا يتشكل ببطء رأي عام أقل تسامحاً مع الحروب الطويلة التي تبدو في نظره غير متناسبة مع القيم التي تعلنها الولايات المتحدة عن نفسها.
لكن العامل الأكثر استراتيجية في التحول الجاري يتمثل في تصاعد شبكة المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربي وتركيا. فالمنطقة تشهد منذ سنوات إعادة ترتيب عميقة في أولوياتها الاقتصادية والأمنية. إذ أصبحت دول الخليج شريكاً محورياً في استقرار أسواق الطاقة العالمية، وفي الاستثمارات العابرة للقارات، وفي التحولات الاقتصادية الكبرى التي تسعى واشنطن إلى ربطها بالاقتصاد العالمي. أما تركيا، بحكم موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية ودورها في التوازنات الإقليمية، فقد باتت أيضاً لاعباً أساسياً في أي تصور استراتيجي للشرق الأوسط وأوراسيا.
هذه الشبكة المتنامية من المصالح تجعل الولايات المتحدة أكثر حساسية لأي سياسات إقليمية قد تهدد الاستقرار طويل المدى في المنطقة. فواشنطن اليوم لا ترى الشرق الأوسط فقط من زاوية أمن إسرائيل، وإنما من زاوية منظومة أوسع تضم الطاقة والتجارة والاستثمار والممرات الاستراتيجية والتحالفات العسكرية.
وعندما يصبح استقرار هذه المنظومة مصلحةً أمريكية مباشرة، فإن أي طرف – مهما كان حليفاً تقليدياً – قد يجد نفسه مطالباً بالعمل ضمن حدود هذا الاستقرار. وهنا تحديداً قد يظهر التوتر الكامن في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.. فالدولة التي تكبر أكثر مما ينبغي داخل المظلة الأمريكية قد تتحول من أصلٍ استراتيجي إلى عبءٍ استراتيجي.
في تلك اللحظة لن تحتاج الولايات المتحدة إلى صدام مباشر مع إسرائيل كي تعيد ضبط التوازن. يكفي أن تعيد تعريف حدود الدعم، وشروط الغطاء السياسي، وسقوف الحركة العسكرية. فالشيء الذي تمنحه واشنطن بسخاء تستطيع أيضاً أن تضبطه بصرامة عندما تتغير الحسابات.
ولهذا فإن الغرور الإسرائيلي بالقوة قد يخفي في داخله مفارقة استراتيجية عميقة. فالقوة التي تبدو اليوم بلا حدود ليست قوةً مستقلة تماماً، وإنما هو قوةٌ تعمل داخل هندسة استراتيجية أمريكية أوسع. وعندما تتقاطع حسابات المصلحة الأمريكية، وضغط الرأي العام الداخلي، وتصاعد الشراكات الاستراتيجية مع الخليج وتركيا، قد تصل واشنطن إلى لحظة تعيد فيها وزن المعادلة الإقليمية من جديد.
وعندها فقط قد تكتشف تل أبيب أن القوة التي بدت مطلقة لم تكن مطلقة قط. وأن إعادة إسرائيل إلى حجمها الطبيعي لن تأتي من خارج النظام الدولي، وإنما من داخل مركز القوة الذي مكّنها أصلاً من التمدد.
٭ كاتب سوري
- القدس العربي


























