غسان شربل
المسألة في العراق ليست معرفة اسم رئيس الوزراء الجديد. إنها قبل ذلك مسألة عودة العراق ومدى مساهمة نتائج الانتخابات الأخيرة في هذه العودة.
عودة العراق تعني أولاً عودة العراقيين الى الإمساك بقرارهم. بقرار هو محصلة إرادتهم المعبَّر عنها عبر صناديق الاقتراع. وأول شروط النجاح هنا هو التسليم ببديهيات الديموقراطية. أقصد أن يقبل الطرف الخاسر نتيجة الانتخابات على أن يتولى من على مقاعد البرلمان مراقبة الحكومة ومحاسبتها. من دون اعتراف الخاسر بالنتائج لا يمكن النظام الديموقراطي أن يعمل. لا يحق للطرف الخاسر أن يرد على النتائج بإظهار قدرته على التعطيل. وأن يطالب بحصة تفوق حجمه. وأن يفرض المشاركة انطلاقاً من قدرته على منع الاستقرار.
المسألة تتعدى شخص رئيس الحكومة وسياسته. إنها تتناول بلورة إرادة وطنية جامعة على استعادة القرار العراقي. وعلى اللقاء في الدولة ومؤسساتها واحترام دستورها. وهذا يعني سقوط حدود الدويلات. دويلات الميليشيات والطوائف والمذاهب. لا يمكن الدولة الضامنة لحقوق العراقي وكرامته أن تكون مجرد خيمة منصوبة فوق الدويلات. لا تستطيع الدولة التعايش مع الدويلات في أحشائها. الدويلات تنهش الدولة وتحيلها ركاماً.
المسألة تتعلق بعودة العراق وطناً ودولة. هذا يعني إقفال الساحة العراقية ومنع استباحة الدولة من الداخل. يعني استرداد الحصانة في ظل حكم القانون والتداول السلمي للسلطة. يعني أيضاً إنهاء مرحلة الاستعانة ببعض الخارج على بعض الداخل. إنهاء استعانة عراقي بطرف إقليمي أو دولي للانتصار على عراقي آخر أو فرض الإرادة عليه. يعني إسقاط رهانات الشطب والعزل والتطويع والقسر والقهر.
تقول التجارب ان الانتصار بقوة الخارج هو انتصار مفخخ. يستدرج الخارج الى النسيج ويعطيه فرصة العبث به. هذه الممارسة ولادة حروب لا تنتهي.
هجّر نظام صدام حسين معارضيه. شتتهم في عواصم قريبة وبعيدة. احتضنت بعض العواصم المعارضين. ضمنت سلامتهم أو سلحتهم أو مولتهم. نسجت معهم علاقات خاصة. يمكن الحديث عن وضع مشابه بعد الاحتلال الأميركي. فضلت بعض دول المنطقة محاربة الأميركيين على أرض العراق. لكن تلك المراحل انتهت أو يفترض أن تكون انتهت. لا يجوز الاستمرار في معاقبة العراق بسبب صدّام أو الاحتلال. من الواجب احترام حدوده الدولية لأن الاستمرار في استباحتها يؤسس لنزاعات مقبلة.
ان أهم ما يمكن أن يحققه العراقيون حالياً هو التمرد على الوصايات التي نشأت بفعل المراحل السابقة. لا يبنى العراق إذا لعب بعض العراقيين دور الوكلاء لقوى دولية أو إقليمية، سواء كانت هذه القوى أميركا أم إيران أم أي دولة عربية. وستكشف المداولات لتشكيل الحكومة العراقية قدرة العراقيين على رفض الوصايات التي تحاول تحريك البيادق أو انتزاع حق النقض أو حق فرض لونها على المستقبل العراقي.
من حق العراقيين رفع شعار العراق أولاً. من حقهم التطلع الى بناء دولة طبيعية لا تبنى على قاعدة العداء لأحد لكنها لا تقر لأحد بحق المرابطة داخل القرار العراقي والتحكم به أو التأثير فيه. دولة طبيعية تلعب دورها في العائلة العربية والإقليم وتكون عامل استقرار لا تصدّر النار ولا تقبل باستيرادها.




















