تنتظر منطقة الشرق الأوسط مرحلة تتجاوز حدود التوتّرات التقليديّة نحو إعادة صياغة أعمق لبنية النفوذ الإقليميّ. تبدو العلاقة التركيّة – الإسرائيليّة، التي كثيراً ما صُنّفت ظرفيّة، جزءاً من تحوّلات استراتيجيّة أوسع بعد انفجار الجبهة الإيرانيّة، ستمتدّ من سوريا إلى شرق المتوسّط وجنوب القوقاز، وستشمل ملفّات الطاقة والخطوط التجاريّة والممرّات البحريّة الحيويّة.
لم يعد السؤال متعلّقاً بطبيعة الخلاف بين أنقرة وتل أبيب، بل بكيفيّة إعادة توزيع مراكز القوّة داخل إقليم يتشكّل من جديد تتداخل فيه الحسابات السياسيّة والأمنيّة مع تلك الاقتصاديّة، وتتحوّل الساحات المحليّة إلى عِقد في شبكة نفوذ متشابكة. تدور الصراعات حول تثبيت المصالح لكن داخل خرائط آخذة في التشكّل تصبح فيها كلّ ساحة اختباراً لقدرة الفاعلين على فرض حضور طويل الأمد في نظام إقليميّ يجلس على فوهة بركان .
تبرز الولايات المتّحدة الأميركيّة في خلفيّة التصعيد المتزايد بين تركيا وإسرائيل، بوصفها لاعباً محوريّاً، محايداً حتّى الآن، لكنّه الأكثر قدرة على منع الانفجار وفرض تهدئة ثنائيّة بين طرفين تجمعهما الكثير من المصالح المشتركة والتفاصيل المتناقضة.
كيف ستتصرّف واشنطن؟
هل ما نشهده هو توتّر بين حليفين لواشنطن أم مؤشّر إلى تراجع قدرتها على ضبط هندسة الإقليم كما اعتادت في العقود الماضية؟ هل تتحرّك واشنطن لوقف التوتّر واحتواء التباعد الذي يتعارض مع مصالحها وحساباتها في المنطقة؟ كيف ستحافظ على شبكة تحالفاتها مع الجانبين من دون أن تنزلق إلى اصطفاف بين طرفين يفترض أنّهما ضمن منظومتها الاستراتيجيّة؟
يريد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أن يكون “صانع نظام” وليس “مدير اختلالات”. لكنّ مسألة إدارة التنافس أصبحت أكثر تعقيداً من احتوائه لأنّنا أمام مرحلة لا تُقاس فيها القوّة بقدرة طرف واحد على الحسم، بل بمدى قدرته على تثبيت موقعه داخل شبكة إقليميّة دائمة الحركة .
تستعدّ أنقرة لمواجهة السياسات الإسرائيليّة بأسلوب جديد مغاير لمنطق تدوير الزوايا وإدارة الأزمات منتقلةً إلى منطق أكثر تعقيداً
قد يستفيد الرئيس الأميركيّ من التوتّر بين أنقرة وتل أبيب، لكنّ اتّساع رقعة التوتّر والتصعيد قد يضرّ بحساباته عند انفلات زمام الأمور .لا يمكن هنا إغفال أنّ هذا المشهد لا يدور في فراغ، بل داخل بيئة تتداخل فيها أدوار قوى أخرى تعمل كمعدِّلات توازن غير معلنة، من روسيا التي تنظر إلى الشرق الأوسط كمساحة تقاطع نفوذ، إلى إيران التي تتعامل مع التصعيد التركيّ–الإسرائيليّ من زاوية إدارة الاشتباك غير المباشر، وصولاً إلى أطراف عربيّة باتت أكثر ارتباطاً بمعادلات الاستقرار الإقليميّ والطاقة.
اختبار مركّب
يجعل هذا التشابك من كلّ ساحة اختباراً مركّباً لا يُدار بمنطق طرفين فقط، بل بمنطق منظومة متعدّدة المستويات .لا يمكن فهم طبيعة التوتّر التركيّ – الإسرائيليّ الحاليّ بوصفه مواجهة ثنائيّة مركزها حسابات المصالح والنفوذ، بل هو نمط جديد أوسع من التنافس العلنيّ والمبطّن على النفوذ في ساحات متعدّدة وضمن مسار تراكميّ يعيد تعريف الكثير من المصطلحات المرتبطة بالتمدّد والتأثير، ويصل إلى تعارض مشاريع تكتّلات استراتيجيّة جديدة تتجاوز التباعد السياسيّ. يجعل هذا التشابك كلّ ساحة امتداداً للأخرى، فالجغرافيا لم تعد إطاراً ثابتاً، بل أصبحت فضاءً متحرّكاً يعيد إنتاج توازنات بمفاصل جديدة .

نحن أمام منظومة متداخلة من ساحات الاحتكاك التي تنتج تأثيرات متبادلة، حيث يمكن لأيّ تحرّك في ساحة واحدة أن يعيد تشكيل التوازن في ساحة أخرى، وهو ما يقود إلى رفع مستوى التعقيد الاستراتيجيّ في العلاقات التركيّة – الإسرائيليّة، ويجعل إدارة التنافس أقرب إلى “هندسة توازنات متحرّكة” لا إلى مواجهة روتينيّة قابلة للحسم أو الاحتواء السهل.
في المقاربة التركيّة الراهنة، لم يعد التوتّر مع إسرائيل يُفهم ضمن إطار الخلافات السياسيّة أو إدارة الملفّات الإقليميّة، بل ضمن سياق أوسع يتعلّق بإعادة تشكيل مفهوم الردع في بيئة إقليميّة غير مستقرّة.
قد يستفيد الرئيس الأميركيّ من التوتّر بين أنقرة وتل أبيب، لكنّ اتّساع رقعة التوتّر والتصعيد قد يضرّ بحساباته عند انفلات زمام الأمور
تحوّل في المقاربة التّركيّة
في هذا السياق، تكشف قراءة وزير الخارجيّة التركيّ هاكان فيدان للسياسات والممارسات الإسرائيليّة في العامين الأخيرين عن تحوّل في مقاربة أنقرة لسياسات إسرائيل من دولة خصم تقليديّة إلى فاعل يخلق اضطراباً ممتدّاً باتّجاه أكثر من جبهة:
– تل أبيب لم تعد تتحرّك ضمن نطاق الصراع الفلسطينيّ فقط، بل باتت فاعلاً إقليميّاً يوسّع نطاق عمليّاته ليشمل لبنان وسوريا وغزّة، فيمتدّ تأثيرها على أكثر من ساحة.
– لا ينتج السلوك الإسرائيليّ استقراراً، بل يؤدّي إلى زيادة هشاشة البيئة الإقليميّة ويفتح الباب أمام توسّع الصراعات بدل احتوائها.
– لا تتحرّك إسرائيل بمعزل عن الدعم البنيويّ الأميركيّ، وهو ما يجعل أيّ مواجهة معها ذات طابع دوليّ غير مباشر.
– ليست تركيا في موقع المواجهة المباشرة، بل في موقع “إدارة المخاطر” الناتجة عن هذا السلوك، وخصوصاً في سوريا وشرق المتوسّط حيث تتقاطع المصالح.
– هناك توجّه غير معلن نحو بلورة مقاربة يمكن وصفها بـ”عدم الانحياز المرن” ليست امتداداً تاريخيّاً لحركة عدم الانحياز الكلاسيكيّة، بل إعادة صياغة لها ضمن بيئة إقليميّة شديدة التشابك.
– رفض الانخراط الكامل في محاور صلبة، مقابل الحفاظ على قدرة الحركة في أكثر من ساحة في الوقت نفسه، بما يسمح لتركيا إدارة علاقاتها مع أطراف متناقضة من دون الوقوع في اصطفاف نهائيّ.
تقدّم اعتبارات الأمن الإقليميّ
تشكّل تصريحات الوزير فيدان انعكاساً لمرحلة إعادة تعريف المخاطر أكثر من كونها مواقف سياسيّة وحسب، حيث تتقدّم اعتبارات الأمن الإقليميّ على حساب الحسابات الثنائيّة التقليديّة. هذا ما يفسّر انتقال الخطاب التركيّ من النقد السياسيّ إلى لغة التحذير الاستراتيجيّ المبكر في مواجهة الممارسات الإسرائيليّة.
لا تتعامل تركيا مع إسرائيل كخصم مباشر في ساحة واحدة، بل كفاعل مؤثّر في بنية النظام الإقليميّ نفسه
ضمن هذا الإطار، تتحوّل أدوات تركيا من ردّ فعل إلى محاولة بناء قدرة على منع التغيّرات الجيوسياسيّة المفاجئة في محيطها الاستراتيجيّ.
لا يؤدّي هذا الواقع إلى زيادة التعقيد فقط، بل يفتح المجال أمام تفاعلات إقليميّة أكثر استقلاليّة، حيث تتحرّك القوى الإقليميّة ضمن هامش أوسع لإعادة تعريف أدوارها ونفوذها. هذا ما يُعتبر اليوم في طليعة أسباب التباعد التركيّ – الإسرائيليّ والتصعيد بينهما.
أيّ تغيير في ساحة المواجهة التركيّة – الإسرائيليّة لن يبقى محصوراً فيها، بل سينتقل تأثيره إلى بقيّة الساحات ضمن سلسلة من التفاعلات المتداخلة:
– تمثّل الساحة السوريّة نقطة ضغط مباشر على الأمن التركيّ.
– يمثّل شرق المتوسّط ساحة تنافس على النفوذ البحريّ والطاقة.
– يشكّل القوقاز هامش ارتداد للتوازنات الإقليميّة الأوسع .
أسلوب تركيّ جديد
تستعدّ أنقرة لمواجهة السياسات الإسرائيليّة بأسلوب جديد مغاير لمنطق تدوير الزوايا وإدارة الأزمات منتقلةً إلى منطق أكثر تعقيداً يقوم على:
– منع فرض وقائع ميدانيّة جديدة في مناطق النفوذ الحسّاسة.
– تعزيز القدرة على الردع المباشر.
– ضبط التوازنات الإقليميّة في إطار الاستعداد لسيناريوهات انزلاقها إلى مسارات صدام مفتوح.
نحن أمام نمط جديد في العلاقات بين البلدين لا يُدار بمنطق التوازن القلق كما في السابق
يُقاس الردع في التصوّر التركيّ الجديد بقدرة أنقرة على الاستعداد لأيّة حرب بمستوى الحؤول دونها نفسه، وبما تستطيع أن تفعله لمنع تل أبيب من فرض وقائع جيوسياسيّة جديدة عليها. لا يُنظر إلى إسرائيل كطرف إقليميّ تقليديّ، بل كفاعل يحاول إعادة إنتاج بيئات أمنيّة جديدة في أكثر من بقعة جيوسياسيّة تعني تركيا، مع الاستفادة من الفراغات الحاصلة وتداخل الأمن الإقليميّ مع الغطاء الدوليّ، خصوصاً الأميركيّ، وإعادة تعريف قواعد الاشتباك نفسها.
في هذا الإطار، لا تتعامل تركيا مع إسرائيل كخصم مباشر في ساحة واحدة، بل كفاعل مؤثّر في بنية النظام الإقليميّ نفسه .لم تعد المسألة تتعلّق بإمكانيّة المواجهة، بل بكيفيّة إدارة التنافس داخل نظام إقليميّ يتشكّل تحت الضغط، حيث تتحوّل القوّة من أداة حسم إلى أداة تموضع طويل الأمد. نحن أمام نمط جديد في العلاقات بين البلدين لا يُدار بمنطق التوازن القلق كما في السابق، بل بمنطق إعادة تشكيل قواعد الاشتباك نفسها داخل ساحات متعدّدة ومفتوحة.
- أساس ميديا























