لم يعد للارهاب في العراق قعر. ولم يعد يقتصر على أهداف ترتبط بمقاومة الغزو الاميركي أو بمكونات السلطة التي نشأت عنه. لكنه يستفيد، قطعاً، من الواقع السياسي في البلاد. سواء لجهة احتمال ان يستفيد بعض من في العملية السياسية منه، أو لجهة انعكاس التوترات السياسية على الاجهزة الامنية بما يتيح اختراق اجراءاتها. فيضرب اينما تسنى له. المهم ان تسيل دماء العراقيين في الشارع، وان يتنادى السياسيون الى تبادل تحمل المسؤولية عن الاختراق، وان تخلق تعقيدات جديدة تضاف الى القديمة.
لقد حصل ذلك قبل انطلاق الحملة الانتخابية الاخيرة. وبدل السعي الى تحصين الوضع السياسي وعزل الارهاب، انطلقت حملات الاتهام المتبادلة لتطاول مكونات سياسية والحكومة ووزارتي الدفاع والداخلية. ومع الحملة الارهابية الجديدة، يمكن ان نتوقع اتهامات مماثلة، لكن هذه المرة في ظل حكومة تصريف اعمال وغياب البرلمان الجديد الذي لن يجتمع قبل ان تحل معضلة رئاسة الحكومة وتشكيلتها. لذلك تتخذ الهجمات الارهابية المتنقلة التي تضرب عشوائياً في البلاد أهمية تتجاوز مجرد قتل الابرياء والآمنين، أي مجرد الاجرام العادي. لتلقي تحدياً سياسياً كبيراً على الطبقة السياسية العراقية وكتلها الفائزة في الانتخابات، خصوصاً تلك التي حازت المراكز الاولى.
لقد شكّل الاقتراع الاخير في العراق نموذجاً ناجحاً، خصوصاً إقبال الناخبين وتعدد خياراتهم. هذه الانتخابات تُحسب أولاً لمصلحة العراقيين ولمصلحة العملية السياسية السلمية في مرحلة تأسيس سلطة جديدة بعد عقود من غياب الديمواقرطية والخيار الحر. لكنها في الوقت ذاته تطرح على الطبقة السياسية تحدياً كبيراً يتناول قدرة الكتل الممثلة في البرلمان من تحويل الاستحقاق الى ممارسة دستورية تتيح التناوب على السلطة وتعزز الاستقرار.
الا انه يبدو ان هذا الهاجس الاساسي تراجع كثيراً في الاهتمامات الحالية المنصبة على كيفية تقاسم السلطة والحصص، بما يشوه ما أراد العراقيون تثبيته. وكل المحادثات والمفاوضات بين الكتل والكيانات لتشكيل الحكومة لن يكون لها معنى، في ارساء السلطة الجديدة، ما دامت لا تعكس رغبة العراقيين في الاستقرار والتعايش. وكل تأخير في تشكيل الائتلاف الحاكم يعني الافساح في المجال لمزيد من الجرائم الارهابية. هذا اذا لم يسع بعضهم من اتخاذ هذه الجرائم ذريعة من أجل التمسك بموقف لا يخدم إلا مصلحته.
لقد استمرت مفاوضات تشكيل الحكومة المنبثقة عن انتخابات 2005 خمسة أشهر. ولن يحتمل الوضع العراقي الحالي مثل هذا الترف في تمضية الوقت. والتحدي الحالي أمام الطبقة السياسية العراقية ليس فقط الوصول الى توافق على الحكومة الجديدة وانما ايضاً القيام بذلك في أسرع وقت ممكن، خلال أيام وليس اسابيع او شهور.
اذ من الملح حالياً ان تأخذ حكومة شرعية جدية، وكاملة الصلاحيات، زمام الامور لتمنع انزلاق الارهاب العشوائي الحالي الى نزاع طائفي يعيد البلاد الى اسوأ ما شهدته بعيد الغزو. وهذه ليست مهمة سهلة. اذ لا يكفي ان يتوافق العراقيون في ما بينهم، وانما عليهم ايضاً ان يقاوموا تدخلات الجوار الاقليمي الذي استفاد بعضه من الاقتتال الطائفي، وقد يعود الى تغذيته واستغلاله اذا ما استنتج ان الوضع العراقي السليم لا يلبي مصالحه.
بكلام آخر، قد يصعب على العراق ان يشهد الاستقرار، ومعه انطلاق ورشة البناء والاستثمار والتنمية والخدمات، ما لم تتمكن حكومته، بدعم كل مكوناتها، من التصدي الى أصول الارهاب وظواهره ونتائجه. وهذا هو التحدي الاكبر أمام الطبقة السياسية العراقية كلها. وكل تأخير في التوافق على تشكيل الحكومة يضيف فشلاً في الرد على هذا التحدي.
"الحياة"




















