الانتخابات السودانية التي ستقام الأسبوع القادم ربما تعد أكثر الانتخابات العربية التي شهدت بروز الظاهرة الصوتية للمرشحين والأحزاب، فهذه الانتخابات شهدت من اتهامات الفساد حتى قبيل البدء فيها ما لم تشهده أكثر الانتخابات العربية الأخرى، ويسري ذلك على كل الاتهامات المتبادلة بين أطرافها وبينهم وبين الحزب الحاكم.
وشهدت هذه الانتخابات انسحابات مبكرة، وشهدت تهديدات وبالأخص للحركة الشعبية حينما ألمحوا بطلب تأجيل عقد الانتخابات، وفي النهاية تبرز المحصلة لكل هذه المهاترات في سودان مترامي الأطراف لا يجد صيغة بين قياداته لا للاتفاق وإنما حتى بإبعاد الخلاف عن متناول المناطق الساخنة.
فالظاهرة الصوتية التي تعتمد على الإثارة لتتغذى عليها جعلت من مسألة الاستفتاء على انفصال جنوب السودان محكاً حينما هدد الرئيس البشير الجنوبيين بأن مطالبهم بتأجيل الانتخابات تعني تصويتهم بتأجيل الاستفتاء.
وفي المقابل كان رد الجنوبيين هو تأكيد ابتعادهم عن الوحدة الوطنية حينما سحبوا مرشحيهم في مناطق الشمال، في حين بدأت بعض القيادات بالضرب على وتر دارفور كحزب الأمة أو قيام الترابي بالتصريح أن هذه الانتخابات ستحول السودان إلى صومال آخر.
فإن كل هذا يصب في خانة سكب الزيت على النار وحتى قبل أن تظهر أي نتائج مبكرة للانتخابات، المواقف السياسية المحتدمة والتي تغذيها الظاهرة الصوتية الإعلامية في السودان، هي ما سوف تقوده لمزيد من التخبط في الوقت الذي لا يتحمل فيه الجسد العربي مزيداً من التشرذم.
كل ما أفرزته القيادات السودانية اليوم لا يتعدى كونه المعارضة لأجل المعارضة أو الضرب على أوتار التوترات، لم يقدم الحزب الحاكم أو حتى الأحزاب المعارضة رؤية سياسية واضحة ومنهجية للفترة القادمة، بدءاً من السياسات العامة ومروراً بخطط التنمية.
ولأن الكل في السودان اليوم يتغذى على ضرب الآخر، فإن الخاسر الأكبر هو السودان وشعبه، ذلك أن الدولة بأمس الحاجة للانطلاق لولا ما يعطلها من الظواهر الصوتية.
هذه الانتخابات ستكون محكاً لمستقبل السودان، وهي من الأهمية أن يعي القائمون عليها أن العمل السياسي الحقيقي يكمن في إيجاد برلمان قوي وقادر على إدارة البلاد يجمع تحت مظلته كافة الأطياف السودانية ويكون منطلقاً للتجميع بدلاً من التشتيت.
آن الأوان للسودانيين أن يعوا ضرورة إشعال شرارة التنمية والتقدم ورمي كل مخلفات الماضي وراء ظهورهم، بما في ذلك السياسات القديمة والتي جرى عليها الزمن، فحتى الآن فإن كل ما يتلقفه العالم من خارج السودان هو ظواهر صوتية لا تلبث أن تختفي حال سماعها.




















