الهجوم العنيف والأول من نوعه في التوصيف والذي شنه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أمس على الكيان الإسرائيلي بأنه الخطر الرئيسي على السلام الإقليمي، له ما يبرره، ذلك أن المسؤولين الإسرائيليين لا يريدون أن يفهموا أن حتى أقرب الحلفاء لهم لم يعد تنطلي عليه الأكاذيب الإسرائيلية، حيث أصبحت السياسة الإسرائيلية المراوغة والمخادعة، بل والغادرة، مكشوفة وممجوجة وغير مستساغة، لأنه لا يعقل أن يظل الجانب الفلسطيني طوال ما يزيد على ستين عامًا أي منذ النكبة واغتصاب فلسطين، هو الطرف المعرقل والعقبة الكأداء أمام السلام.
وبالتالي ما يجب أن يعيه هؤلاء المسؤولون الإسرائيليون أنه لا يمكن أن يجتمع المجتمع الدولي وخاصة أقرب الحلفاء وأشدهم مناصرة لهم على قول ينتقدون فيه السياسة الإسرائيلية تجاه عملية السلام والجهود الدولية وفي مقدمها الجهود الأميركية، إلا إذا كان هناك ما يؤكد وجود ممارسات إسرائيلية مستخفة بالحق الفلسطيني أولًا والجهود العربية والدولية في إحقاق السلام ثانيًا.
ولذلك فإن الأسف الذي أبداه رئيس الوزراء الإسرائيلي المتطرف بنيامين نتنياهو ردًّا على الوصف التركي لكيانه بأن أردوغان يقرر دائمًا مهاجمة "إسرائيل"، في غير محله، نظرًا للعلاقة الوثيقة التي تربط تركيا والكيان الإسرائيلي، سواء على مستوى العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء أو على مستوى التعاون العسكري أو على مستوى التبادل التجاري.
إلى جانب أن ثمة منتقدين يهودًا للسياسة الإسرائيلية وعنجهيتها ويأتي على رأس هؤلاء القاضي الجنوب إفريقي اليهودي ريتشارد جولدستون رئيس لجنة تقصي الحقائق في جرائم الحرب التي ارتكبها جيش الكيان الإسرائيلي ضد المدنيين العزل في قطاع غزة.
والذي ضمن تقريره التأكيد على أن جيش الاحتلال الإسرائيلي قد ارتكب جرائم حرب. ولا تزال تتتابع المؤشرات والدلائل على أن الحكومة الإسرائيلية باتت بعيدة كل البعد عن سياق التقارب والتفاوض بسبب تضاؤل الفرص لإمكان حصول تقدم حقيقي في مسار عملية السلام، ومرجع ذلك التعنت الإسرائيلي وعدم الرضوخ للمطالب الدولية بضرورة تجميد الاستيطان باعتباره المعرقل الحقيقي لاستئناف المفاوضات.
ناهيك عن رفض الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة وقف الاستيطان أولًا وصولًا إلى حل الدولتين الذي تبنى رؤيته الرئيس الأميركي باراك أوباما، فتحول الموقف الأميركي من المطالبة بالوقف إلى المطالبة بالتجميد، فكانت عملية المطالبة أشبه بعملية استجداء وشحاذة تقوم بها إدارة الرئيس أوباما، ومع ذلك كان رفض التجميد سيفًا مسلطًا على رقبة أي جهد تقوم به الإدارة الأميركية.
ويبدو أيضًا أن نتنياهو وهو يبدي أسفه من تصريح أردوغان نسي أو يحاول أن يتناسى تلك الصفعة التي وجهتها حكومته في وجه نائب الرئيس الأميركي جو بايدن الذي جاء إلى المنطقة ليقود المساعي لاستنئاف المفاوضات غير المباشرة التي اقترحتها إدارة أوباما، بالإعلان عن مشروع استيطاني في مدينة القدس المحتلة، وما صحب ذلك من توتر في العلاقات ـ كما أبرزته وسائل الإعلام .
بصرف النظر عن أن أردوغان حين أطلق هذه القذيفة المدوية بوصف الكيان الإسرائيلي بأنه الخطر الرئيسي على السلام الإقليمي، وفي مؤتمر صحفي مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الرافض لانضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، كان بسبب ـ كما يبدو ـ من شعور يخالجه بأن الكيان الإسرائيلي طرف في عملية الرفض من خلال علاقاته الوطيدة التي تربطه بالدول الأعضاء في الاتحاد، فإن كل ما يمارسه الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، من تهويد وتغيير للمعالم العربية والإسرائيلية في القدس المحتلة وتشويه هويتها.
وكذلك التنكيل بالأسرى الفلسطينيين الذين تعج بهم السجون الإسرائيلية والتهديد بقطع المياه عن الشعب الفلسطيني، والحصار وشن الحروب والتلويح بشن عدوان بين الفينة والأخرى، وإذكاء الفتن بين دول المنطقة، كل ذلك يؤكد ما ذهب إليه أردوغان.
لقد آن الأوان أن يعود الإسرائيليون إلى رشدهم والبعد عن نزق الفتن والحروب والقتل ونشر الدمار، وتلبية المطالب الدولية وعدم القفز إلى قضايا لا تمت للصراع العربي ـ الإسرائيلي وعملية السلام بصلة لا من قريب أو بعيد حين تحين لحظة الاستحقاق والجد، لأنه إلى متى يمكن أن يستمروا في كذبهم واختلاق الحجج الواهية والمغلوطة؟ وإلى متى سيظل الآخرون يصدقونهم وخاصة حلفاءهم؟ فالحق الفلسطيني لا يمكن أن تطمسه حيل وأساليب قادة "إسرائيل" المراوغة والمخادعة وأنصار هذا الحق من الطبيعي أن يتكاثروا.




















