بينما يحاول السوريون بناء هويتهم السورية المعاصرة، يطالعنا وفي مشهد رمزي ما جرى في محافظة الحسكة، وتحديداً في “قصر العدل”، حيث حاولت ما تُسمى بـِ “الشبيبة الثورية” التابعة لحزب العمال الكردستاني وأذرعه المحلية تخريب وإزالة اللوحة التي تحمل اسم “الجمهورية العربية السورية”.
هذا الفعل، إن بدا في ظاهره صراعاً على الهوية بين مكونات الشعب السوري، إلا أنه في عمقه يعكس النتيجة الحتمية لعقود من التشويه الذي مارسه نظام الأسد (الأب والابن) لمفهوم “العروبة”. فالمفارقة التاريخية تكمن في أن هذه التنظيمات التي تحاول اليوم محو “العربية” من اسم الدولة، هي في الأصل نتاج شرعي لسياسات حافظ الأسد الذي احتضن هذه الحركات واستخدمها ورقة ضغط إقليمية، ضارباً بعرض الحائط أي اعتبار قومي أو وطني مقابل البقاء في السلطة.
العروبة بوصفها عقداً مدنياً
قبل أن تُشوه المفاهيم، كانت سوريا هي من قدم للعرب أسمى نموذج للعروبة الحضارية غير المتعصبة، وتجلى ذلك بوضوح في المؤتمر السوري العام 1920. في ذلك الوقت، لم تكن العروبة في دمشق أيديولوجية إقصائية أو أداة لتعريب المكونات قسراً، بل كانت مشروعاً وطنياً جامعاً يسعى لبناء دولة القانون.
لقد أنتج ذلك المؤتمر دستوراً كان الأرقى في المنطقة، نصّ على أن سوريا “ملكية مدنية نيابية”، وحفظ حقوق الأقليات والمكونات، معتبراً العروبة رابطة ثقافية وتاريخية توحد ولا تفرق. كانت ريادة سوريا حينها تكمن في قدرتها على المزاوجة بين الاعتزاز بالهوية العربية وبين الانفتاح الديمقراطي، حيث وقف المسلم والمسيحي والكردي والتركماني تحت سقف واحد للمطالبة بالاستقلال، مؤكدين أن “العروبة السورية” هي بالأساس فضاء من الحرية والسيادة، لا زنزانة للقمع أو التنميط العرقي.
العروبة الحضارية
استمراراً لهذا النهج، وقبل أن يحول الأسد الأب “البعث” إلى سوط بيد العسكر، كانت العروبة في سوريا في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين مشروعاً نهضوياً بامتياز. كانت سوريا حينها تعيش مخاضاً ديمقراطياً نادراً في المنطقة، وتمثلت العروبة في تيارين متكاملين:
التيار التقليدي (البرجوازي): الذي مثله رجال من طينة شكري القوتلي وهاشم الأتاسي. كانت عروبتهم عروبة “دولة” وتحرر من الاستعمار، تؤمن بالسيادة وبالتعددية السياسية، وترى في سوريا قلباً نابضاً للعرب دون إقصاء للمكونات الأخرى.
الجيل الشاب: الذي مثله أساتذة ثانويات دمشق وحلب وحمص واللاذقية وطلبتهم… وكانت العروبة في أدبياتهم عروبة حضارية إنسانية، تهدف إلى بعث الأمة عبر “الحرية” و”العدالة” و”الوحدة“.
في ذلك الزمن، لم تكن “العروبة” تهمة أو أداة للقمع، بل كانت رابطة ثقافية تحررية تسعى لبناء دولة مدنية حديثة. كانت دمشق حينها “بيت العرب” ليس بالشعارات الخشبية، بل بالممارسة السياسية التي احترمت القضاء والصحافة ومجلس النواب.
تبدلت الأحوال جذرياً بعد انقلاب العام 1966، ثم ترسخت القطيعة التامة مع “العروبة الأخلاقية” في العام 1970 مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة تحت مسمى “الحركة التصحيحية”. في هذه المرحلة، اختُطفت العروبة، واستُخدم حزب البعث كغطاء أيديولوجي لتثبيت حكم “العصابة الحاكمة”.
تحولت العروبة من مشروع “تحرر” إلى أداة “تخوين”. وأصبح النظام السوري يمارس أبشع أنواع البراغماتية التي تتناقض مع أبسط المبادئ القومية. لقد أصبح البقاء في السلطة هو “المقدس” الوحيد، وبسببه تم التضحية بكل الروابط العربية.
شواهد الخيانة
لم يكن ظلم الأسد للعروبة مجرد تنظير، بل كان دماً سُفك لتصفية كل مشروع عروبي أو وطني مستقل عبر محطات دامية نذكر منها:
تصفية الحالة الوطنية اللبنانية: في العام 1976، دخل الجيش السوري لبنان لضرب المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية (مجزرة تل الزعتر). وفي 1977، اغتال النظام الزعيم العروبي كمال جنبلاط، لأنه رفض الدخول في “السجن السوري الكبير” وتمسك باستقلالية القرار الوطني.
الحرب العراقية الإيرانية: في اختبار حقيقي للتضامن العربي، طعن حافظ الأسد العروبة في ظهرها بالوقوف مع إيران ضد العراق، نكاية وتصفية حسابات حزبيّة، مما شرّع الأبواب للتغلغل الإيراني الذي استباح العواصم العربية لاحقاً.
اغتيال رفيق الحريري (2005): في عهد “الابن”، تجلت عقلية العصابة باغتيال الحريري الذي مثل مشروعاً للإعمار وعلاقات عربية واسعة. ضحى النظام بعلاقات سوريا العربية (خصوصاً مع السعودية والخليج) مقابل استمرار تسلط أجهزته المخابراتية.
نجح نظام الأسدين في الإساءة لثنائية (العروبة والعلمانية). ادعى العروبة وهو يضرب العرب، وادعى العلمانية وهو يؤسس لحكم طائفي أمني ضيق، ودعم كل التنظيمات التي لها موقف عدائي مع العرب.
العروبة المظلومة
إنَّ الصراع الدائر اليوم حول اسم الدولة هو صراع في غير محله إذا ما فهمنا التاريخ جيداً. فالعروبة التي يهاجمها البعض اليوم ليست عروبة المؤتمر السوري 1920، ولا عروبة القوتلي أو المثقفين التنويريين؛ بل هي “عروبة الأسد” المسلحة بالمخابرات والمجازر.
لقد ظُلمت العروبة في عهد الأب والابن أكثر مما ظُلمت من أعدائها. سرقوا “البعث” وحولوه إلى فرع أمني. إن استعادة الهوية السورية تبدأ من تنظيف مفهوم “العروبة” من أدران الخمسين سنة الماضية، والعودة بها إلى فضاء “العروبة الحضارية” التي تستوعب الجميع، وتحمي التنوع، وتؤمن بأن كرامة العربي تبدأ من حريته، لا من خضوعه لعصابة حاكمة.


























