لم يكن البيان الذي أصدرته الخارجية الأميركية وانتقدت فيه قيام السلطات المصرية باعتقال عدد من المشاركين في تظاهرة 6 نيسان (أبريل) الجاري جديداً، كما أن رد الفعل المصري عليه أيضاً كان مكرراً، وإضافة إلى ذلك فإن النتيجة التي أفضى إليها التصرف الأميركي ورد الفعل المصري ليس فيهما جديد. فالإدارات الأميركية تعطي نفسها دائماً حق تقويم سلوك الحكومات والسلطات في باقي دول العالم، خصوصاً ما يتعلق بحقوق الإنسان والحريات والأديان، والحكومة المصرية في المقابل دائماً ما تسارع إلى الرد على كل انتقاد أميركي وتؤكد رفضه، معتبرة أن الأمر (أي أمر) هو شأن داخلي. والنتيجة أن الإدارة الأميركية مستمرة في التقويم والحكومة المصرية مستمرة في التعليق والرفض. وفي تقديري أن كل تدخل أميركي لصالح شخص أو فئة أو أي جهة معارضة مصرية يكون ضرره أكثر من نفعه بالنسبة إلى الشخص أو الفئة أو الجهة التي يفترض أن العم سام سعى إلى التضامن معها أو رفع الأعباء عنها.
في تاريخ العلاقات المصرية – الأميركية محطات من هذا النوع وأشخاص تأثروا كثيراً بفعل التدخل الأميركي، والدكتور أيمن نور والدكتور سعد الدين إبراهيم نموذجان واضحان، وليس سراً أن غالبية قوى ورموز المعارضة المصرية تتفادى التعاطي مع جهات أميركية تعمل في مجالات الحريات والإصلاح وحقوق الإنسان حتى لا تطاولها شبهة التعامل مع جهات خارجية أو الاستقواء بالأجنبي. ودائماً كانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس تلاقي اعتذارات من رموز معارضة مصرية عن عدم لقائها أثناء زياراتها العاصمة المصرية في حين واجه الذين كانوا يقبلون بالاجتماع بها انتقادات حتى من دوائر معارضة مصرية.
تخشى الشخصيات العامة المصرية على سمعتها وتعرف أن النظر تحت القدمين فقط ونيل المكسب السريع بعد التخلي عن التفكير السليم والتصرف الحكيم سيفضيان في النهاية إلى المتاعب والخسائر وربما الكوارث، وعلى ذلك فإن الشهور المقبلة التي ستجرى فيها ثلاثة انتخابات مهمة في مصر، أولها التجديد النصفي لمجلس الشورى وبعدها انتخابات مجلس الشعب ثم الانتخابات الرئاسية السنة المقبلة، ستشهد بيانات صحافية أو تصريحات رسمية أميركية تتعلق بالشأن المصري، والمؤكد أنها ستتضمن انتقادات واحتجاجات، لأن مشاهد الصورة لا تشير إلى تبديل في طريقة تعاطي السلطات المصرية مع قوى المعارضة، والمؤكد أن الإدارة الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما والتي لم تحقق أي تقدم في ملف القضية الفلسطينية ستواجه بردود ترصد فشلها في هذا الملف وسعيها إلى استرضاء المعارضة المصرية في ملف آخر.
عموماً يجب ألا يتوقع أحد أن تتأثر العلاقات المصرية – الأميركية بالتجاذبات التي تحدث على فترات بين البلدين والتي صارت جزءاً من هذه العلاقات. وعلى رغم الانتقادات الأميركية والردود المصرية فإن الطرفين رضيا بما يجري حتى صار الأمر وكأنه جزء من عمل فرق العلاقات العامة لدى الأجهزة الرسمية في واشنطن والقاهرة. وطالما بقيت الإدارة الأميركية تعاني فشلاً في الوفاء بتعهدات قطعتها على نفسها في شأن ملفات مهمة بالنسبة الى العرب والمسلمين عموماً فإن ثقة قوى المعارضة المصرية وليس فقط الحكومات في نوايا الأميركيين تبقى محل شك، أما محاولات بعض المعارضين استخدام الورقة الأميركية في نزاعهم مع الحكومات فتدخل في باب اليأس من حكوماتهم أو قدرتها على حل مشاكلهم أو مشاكل المجتمع، لكن كل المحاولات السابقة والتجارب التي خاضها بعض المعارضين المصريين للاستعانة بالأميركيين لم تحقق نجاحاً… ولن تحقق.
"الحياة"




















