عودة السودان إلى الانتخابات التعددية، بعد حوالي ربع قرن من غيابها عن ساحته؛ بحد ذاتها حدث تاريخي. استئناف العملية بعد كل هذه المدة، يفترض أن يشكل انعطافة واعدة؛ بصرف النظر عن الملابسات المحيطة بها.
من بين الناخبين، جيل سوداني جديد يمارس هذا التجربة لأول مرة، ثم إن هذا الاستحقاق، يأتي عشية الاستفتاء حول بقاء أو انفصال الجنوب.
الأول تطور نوعي مهم. الثاني، مصيري أهم. كيفية عبور جسر الاستحقاق، سيكون لها آثارها على مواجهة الاستفتاء. التحدّي، أن يجتاز السودان الاختبارين، بما يحفظ ويعزز وحدته؛ ويضعه على سكة البناء الديمقراطي المديد، القرار بيد السودانيين.
تجري العملية الانتخابية وسط ظروف صعبة، تحديد موعدها، أثار خلافات أدّت، مع غيرها من الاعتراضات؛ إلى مقاطعتها من جانب قوى سياسية عديدة، الأمر الذي يثير الخشية، حول ما ستكون عليه الأمور في اليوم التالي لإعلان النتائج، خاصة وأن الساحة السودانية، على درجة عالية من التعقيد والتأزم الداخلي.
في دارفور، لا يزال الوضع غير مستتب، بالرغم من الاتفاقيات والمصالحات الأخيرة، مما قد يهدّد نسبة المشاركة.
كذلك الوضع في الجنوب، الذي يعيش أجواء الاستفتاء وما يرافقها من اضطرابات؛ فضلاً عن تعامله المجتزأ مع الانتخابات، حيث ولايتان منه تشاركان فيها؛ فيما الباقي منه قاطعها، لكن ثمة مؤشرات لافتة.
في اليوم الأول، جرت العملية بسلاسة؛ في حدود ما ظهر منها، المهم، أن تتواصل على هذا النحو، طيلة اليومين الباقيين للاقتراع. ولا يقل أهمية، أن تجري وفق المعايير الدولية وما توجبه من نزاهة وشفافية وحرية، أكثر من جهة دولية موجودة على الأرض، للتحقق من ذلك.
الاهتمام بهذه الانتخابات، ينبع أساساً ليس من كونها تعددية فحسب، بل أيضاً من حيث أنها بداية لمسيرة؛ تؤسس لممارسة ديمقراطية، توفر المشاركة القادرة على تسوية المشكلات وتثبيت الاستقرار وإطلاق عملية التنمية، المتعطش إليها السودان. فالبلد نزف كفاية وأكثر، من الدماء والموارد.
عقود من الحرب الأهلية، بين الشمال والجنوب، كانت كلفتها أكثر من مليوني قتيل، ثم جاءت مشكلة دارفور، التي لم يندمل جرحها بعد. الانتخابات تقدم فرصة، بالرغم من الجدل حولها، على السودان عدم إضاعتها، على الأقل هي قابلة للتطوير.




















