الانفجارات التي دوت في بغداد على مدى الأيام القليلة الفائتة، ليست على الإطلاق مؤشراً الى عودة «القاعدة» الى بلاد الرافدين، على نحو ما احتفل أنصار التنظيم الإرهابي وشذاذ آفاقه. الانفجارات دوت على وقع تعثر عملية سياسية، فقط لا غير، وهو تعثر يُنذر بمزيد من العنف. لا بل ان أيام بغداد الدامية، وما حملته من صور ووقائع وأخبار، استبطنت في هامش فداحتها حقيقة موت «القاعدة»، لكن ذلك لم يكن على الإطلاق انتصاراً على الموت، إنما تحويلاً في هويته.
فنحن في تفجيرات بغداد حيال حفنة من القتلة الذين لا حدود لخيالهم الإجرامي، وهذا ما يجعل من عودة «القاعدة» أمراً مستحيلاً، خصوصاً إذا كانت العودة تلك محفوفة بتفخيخ أطفالٍ ونساء وإرسالهم الى الموت وإلى القتل، وهو ما لم تجد «المقاومة» في ذلك البلد بغيره على كل حال. وهو يعني ان لا أفق سياسياً لهذه العودة إلا القتل، فكيف تُعقل عودة لم تقترح على مستقبليها إلا الموت بصفته أفقاً وحيداً ووشيكاً، وهو موت بأبشع الصور، ويتراوح بين إعدام بالرصاص لعائلات بأكملها، وبين تفخيخ طفل أو فتى، بعد أن عجز الرجال عن المهمة. ولكم أن تتخيلوا الخطوة اللاحقة من المهمة المتمثلة بابتكار هوية المنتحر، إذ يمكن إدراج اختيار المنتحرين وفق التسلسل التالي: في البداية كان المنتحرون رجالاً ثم جاءت بعدهم مرحلة النساء ونحن اليوم في مرحلة الأطفال، وقد تخلل ذلك وقت مستقطع استعمل فيه مجرمو «القاعدة» المعوقين والمختلين عقلياً. فأي سياسة وأي «مقاومة» يمكن أن يثمر ذلك؟.
ثمة وجهة نظر في موضوع مكافحة الإرهاب ليست جديدة، لكنها تستحق قدراً من إعادة النظر، وتتمثل في التعامل مع مرتكبي جرائم الإرهاب بصفتهم مجرمين عاديين، أي اعتبار الجرائم جنائية لا سياسية. وتدعي وجهة النظر هذه ان من المفيد سحب المضمون السياسي لهذه الجرائم وإفقاد مرتكبيها والمخططين لها المضمون غير الشخصي وغير الجنائي لفعلتهم. أي بكل بساطة، تحويل الإرهابي الى مجرمٍ عادي، وتطبيق القانون الجنائي عليه. فالطفل المفخخ هو في النتيجة ضحية على نحو ما هو ضحية قتيله. والمرأة المفخخة بدورها ضحية، وتشهد على ذلك النقاشات في أندية الإرهاب الإلكترونية التي أتاحت لها الموت والقتل انتحاراً عبر فتاوى لم تخلُ من احتقارٍ للمرأة ولقيمتها. والضحية الذروة هنا طبعاً هو المعوق الذي أجرت «القاعدة» اختبارات على تفخيخه أكثر من مرة في العراق.
اعتبار الإرهابي مجرماً عادياً، في الحالة العراقية تحديداً، يخدم أكثر من غاية. فهو إضافة الى سحبه المضمون السياسي للإرهاب، وضبطه القتل في منظومة قيم الجريمة العادية، يخلق ميلاً الى التفكير بالمقدمين على قتل الغير عبر قتل أنفسهم بصفتهم حالات فردية، وسياقاً غير عام لأزمات لطالما حفلت بها سير هؤلاء والتي تقصّتها صحافة قليلة في أعقاب الكشف عن هوياتهم.
فالمنتحر في موجة التفجيرات الأخيرة في بغداد عراقي هذه المرة، وليس عربياً قادماً، ومطروداً أو مرسلاً من بلده ومجتمعه. وان يُجَرّم على فعلته بما يتعدى الأسباب الشخصية، ففي ذلك خطر احتمال السقوط في هاوية تجريم جماعات وفئات من المفترض أن تحتويها التجربة الجديدة في العراق.
ثمة عناصر جديدة في مشهد القتل العراقي الجديد تساعد على اعتماد ذلك. فالفتى الذي ألقي القبض عليه محاولاً تفجير نفسه أمام السفارة السورية في بغداد، لم يبلغ الرابعة عشر من عمره، وما أن ألقي القبض عليه حتى باشر بالبكاء، واعترف بهوية مفخِخِه. تفسير فعلة الفتى وفق تقنية الإدانة السياسية والاجتماعية وحتى الأخلاقية، يبدو ضرباً من العبث، إذ مما لا شك فيه أن أسباباً أخرى تماماً تسبق السياسة والأخلاق سهلت مهمة مجندّيه. والأمر نفسه ينطبق على الطفل المفخخ في الفلوجة والذي لم يبلغ سنواته العشر بعد. أما نساء بعقوبة المفخخات فأسباب الدعوة الى عدم التجريم السياسي والاجتماعي والأخلاقي تبدو وجيهة أكثر: فالسِيَر القليلة التي نُشرت لبعضهن تؤشر الى انهن ضحايا أكثر من مأساة. ضحايا رجالهن من عناصر «القاعدة» وضحايا فقرهن وعائلاتهن وعشائرهن. وربما على المرء أن يستعيد في هذا السياق سيرة ساجدة الريشاوي التي حاولت تفجير نفسها في أحد فنادق عمان، ليعثر على وقائع كثيرة جلها لا يمت الى السياسة بصلة، هذا إذا اعتبرنا أن لما كانت تنوي فعله مضموناً سياسياً.
الرجال من بين المنتحرين مجرمون، لكنهم مجرمون عاديون، لا مجرمون سياسيون، ولا مجرمو قضايا تتعدى أحوالهم الشخصية. كم يبدو ذلك مفيداً، إذ انه يحرمهم من أي مضمون عام لفعلتهم، حتى لو كان مضموناً سلبياً. وكم يبدو ذلك صحيحاً أيضاً: فلنتخيل مثلاً ذلك الطبيب العراقي الذي أُعلن عن اعتقاله واعترافه بجريمة القتل الجماعي رمياً بالرصاص لعائلات الصحوات في بلدة الصوفية في جنوب بغداد، فهل يمكن لواحدنا أن يتخيل غير الدافع الشخصي الذي مكنه من الضغط على زناد رشاشه المصوب الى نساء وأطفال في تلك اللحظة. لا شك في أنها لحظة فصام اختلطت فيها اعتبارات النشأة الشخصية بشبق القتل والاغتصاب المتشكل في أحضان تجربة شديدة الخصوصية، وإلا كان قد تمكن من فعل ذلك أي متضرر عادي من عمل الصحوات.
السياسة هنا في مكان آخر تماماً، ومظاهرها العنفية الفادحة مختلفة تماماً عن المظهر الشخصي لهذا القتل العاري والفاقد للدلالة غير النفسية. السياسة في هذه اللحظة العراقية الدامية قد تتمثل في السهولة الناجمة عن أحداث القتل. أما القتل نفسه فهو من فعل النفوس، لا من فعل السياسة.
"الحياة"




















