ليس كل ما ينطق به الرئيس الأميركي دونالد ترامب يجب أخذه على محمل الجد، لكن في الكثير من تصريحاته التي تبدو عشوائية أو خارج السياق، ما يحفزها في الكواليس ولذلك يجب التنبه لها. من بين ذلك حديثه المتكرر عن رغبة بدور سوري في لبنان، عنوانه الأساس، محاربة حزب الله. في معرض مقابلته على شبكة أن بي سي التي بثت يوم الأحد الماضي سئل ترامب عن لبنان وما إذا كان على الصفحة نفسها مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، ليقول إنه يود أن يرى لبنان لديه حياة أفضل، ويود أن يرى عمليات جراحية (أكثر دقة) ضد حزب الله، قبل أن يضيف: “يمكننا مساعدتهم في ذلك أو أن نرشح سورية. سورية تؤدي عملاً جيداً في تحسين أوضاعها. لديها قائد جيد جداً، قائد أنجز عملاً جيداً حقاً خلال فترة قصيرة. وسيكون سعيداً بتقديم المساعدة”.
بطبيعة الحال، هذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها ترامب مسألة تدخل سورية في لبنان ضد حزب الله. في مارس الماضي، وبعد نحو أسبوعين على بدء الموجة الثانية من العدوان الإسرائيلي على لبنان، نشرت وكالة رويترز تقريراً ذكرت فيه حرفياً أن الولايات المتحدة شجعت سورية على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله، لكن دمشق مترددة في الشروع في مثل هذه المهمة خشية الانجرار إلى حرب الشرق الأوسط وتأجيج التوتر الطائفي. وبحسب ما ذكرته الوكالة يومها فإن الفكرة طرحت لأول مرة في عام 2025 تم تجددت في مارس.
توقيت إعادة طرح ترامب الفكرة ليس عبثياً، إذ يأتي قبيل ما يتردد عن زيارة مرتقبة للشرع إلى الولايات المتحدة في إطار الدفع نحو رفع العقوبات المتبقية على سورية وبحث ملفات عدة سيكون لبنان أحدها بطبيعة الحال. ولا يتوقع من ترامب إلا محاولة الضغط لفرض مقايضة ما في هذا الملف. كما يأتي في وقت تعلو الأصوات في إسرائيل بصعوبة تحقيق العدوان على لبنان أهدافه لجهة نزع سلاح الحزب بالرغم من همجية الحملة الإسرائيلية الحالية التي تعد الأكثر تدميراً مقارنة بكل الحروب السابق.
يفترض أن دمشق تدرك خطورة جرها إلى فخ التدخل في لبنان. ضمن هذا المنظور كانت تحاول حتى الآونة الأخيرة البقاء خارج المشهد مكتفية بإجراءات داخل حدودها، تترجم بإعلانات متكررة عن ضبط خلايا للحزب وأسلحة معدة للتهريب وأنفاق، أو كما سماه مصدر تحدث لـ”رويترز” في مارس بـ”إجراءات دفاعية”.
أخطر ما في تصريحات ترامب محاولة تصوير سورية أنها ستكون ذراعاً مساعدة لإسرائيل في لبنان لتخفيف الأعباء عن جيش الاحتلال في حربه ضد حزب الله، وتكثيف الضغط على الحزب في المناطق الحدودية اللبنانية السورية، مع كل ما يحمله هكذا تدخل، إن تم، من مخاطر على دمشق التي لا تزال في مرحلة انتقالية بعد إسقاط النظام السابق تواجه فيها ما يكفي من التحديات الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي غنى عن الدخول في مغامرة يتوقع أن تكلفها الكثير وتستنزفها إذا ما تمكن ترامب، ومن خلفه إسرائيل، من جرها إلى الفخ في لبنان.
- العربي الجديد

























