تقنياً، يمكن إطلاق حكمٍ على تجربة استبدال العملة في سوريا، مع نهاية فترة “التعايش” بين العملتين القديمة والجديدة، في 30 تموز الجاري. أما اقتصادياً، فإطلاق حُكمٍ مبكرٌ جداً، وإن كانت المؤشرات الأولية تتيح ترجيح إجابة على أخرى، وتسمح بتقديم توصيات لترجيح إجابة مختلفة.
أولى الملاحظات في الجانب التقني تتعلّق بمُهل الاستبدال. على الأرض، يعتقد بعض العاملين في مكاتب وشركات صرافة بدمشق، أن المصرف المركزي لن يلتزم بمهلته النهائية الخاصة بالتعايش بين العملتين. لذلك يلجأ بعضهم إلى تمرير أوراق نقدية قديمة أثناء صرف الدولارات لعملائهم؛ ويقنعونهم بعبارة “أكيد لح يمددوا المهلة، لسه الليرة القديمة معبية الأسواق”. يقتنع بعض العملاء، ويتذمر أو يرفض آخرون. وفي الأسواق، تجد تقبلاً واسعاً ما يزال يتيح هامشاً للتعامل بالليرة القديمة؛ وتجد رأياً رائجاً بأن المركزي سيمدد مهلة التبديل شهراً آخر، لكنه يتقصّد التأخر في إعلان هذا التمديد كي يتجنب تراخي الناس في إتمام عمليات الاستبدال، وفق أصحاب هذا الرأي. في المقابل، توجد حالات لرفض استلام أوراق نقدية قديمة، من المتوقع أن تزداد في الأيام الأخيرة قبيل انتهاء المهلة، مع رأي يخشى من التعقيدات اللوجستية التي قد ترافق عمليات سحب العملة القديمة بعد زوال قوتها الإبرائية، والتي أعلن المركزي أنها ستمتد خمس سنوات.
على صعيد التداول في الأسواق، يمكن الاتفاق مع حاكمية المركزي بإتمام استبدال 80% من العملة القديمة. إذ يمكن رصد شيوع التداول بالليرة الجديدة بصورة كبيرة. لكن هل تكفي الأيام القليلة المتبقية حتى 30 تموز لاستبدال الـ 20% من الكتلة النقدية التي ما تزال بالليرة القديمة؟ لا نعتقد ذلك. لذا أمام المركزي خياران: تمديد لشهر آخر مع تكثيف الضغط على شركات ومكاتب الصرافة كي تلتزم بصرف عملة جديدة فقط لعملائها، مع فرض عقوبات رادعة لمن يحاول منهم الالتفاف على هذا التكليف؛ فيما الخيار الثاني يتعلّق بتوفير منافذ واسعة لسحب العملة القديمة مع الالتزام بإنهاء فترة “التعايش”.
وسواء التزم المركزي بإنهاء “التعايش” في 30 تموز، أو مدده شهراً، فإن فترة الاستبدال تعتبر قياسية مقارنة بتجارب تبديل ناجحة للعملة، والتي عادةً ما يكون متوسط فترة الاستبدال فيها، 12 شهراً. وهو نجاح بالمعنى التقني. لكن ذلك لا ينطبق تماماً على معيار توحيد أسعار الصرف. إذ اتسع الفارق بين سعر الصرف الرسمي والموازي من 7.65% عشية البدء بعملية الاستبدال، إلى 8.77%، اليوم. وهنا يجب أن نأخذ بالاعتبار أن المركزي نجح في خفض هذا الفارق من سقف 26% الذي وصل إليه، منتصف الشهر الفائت، مما هبط به من مستوى الفارق الخطير (فوق وسطي 20%) إلى مستوى المثير للقلق (بين 5 إلى 10%). وهو يُعتبر نجاحاً تقنياً أيضاً. وقياساً بالحالة السورية الاستثنائية، لجهة أنه بلد خارج من نزاع مُدمّر، يمكن اعتبار استقرار هامش الفرق بين سعر الصرف الرسمي والموازي، تحت 10%، إنجازاً يجب الإقرار به.
ومن الناحية التقنية كذلك، يمثّل تسهيل المعاملات اليومية جراء تصغير حجم الأوراق النقدية المتداولة (مع حذف صفرين)، إنجازاً أيضاً. ومن المتوقع قريباً أن تنتهي ظاهرة حمل حقائب خاصة بالأموال للتداول اليومي الاعتيادي، مع بقاء إشكالية الفروق المحاسبية التي من المتوقع أن تستمر لفترة كفيلة باعتياد الناس على تقدير مشترياتهم بالليرة الجديدة.
لكن بالانتقال إلى الجوانب الاقتصادية لعملية الاستبدال، يصعب إطلاق حكم نهائي. المؤشر الأول وهو استعادة الثقة بالعملة السورية كمخزن للقيمة، لا يمكن الرهان عليه اليوم. كما أن انتقال الأوراق النقدية المخزونة في البيوت إلى القنوات المصرفية غير متوقع في الأفق القريب، جراء هشاشة الثقة بالقطاع المصرفي السوري، نتيجة تجارب حبس السيولة وسقوف السحب، التي ما تزال قائمة حتى اليوم في حالات كثيرة. أما المؤشر الأبرز المتعلق بتحسّن حركة الإنتاج، فيصعب تلمّس أي تطور إيجابي نوعي بخصوصه. وكما هو معلوم فإنه في الفارق النوعي بين تجارب استبدال العملة الناجحة وتلك الفاشلة، يكون التعويل كبيراً على تحسين فعالية الجهاز الإنتاجي، بصورة خاصة. كما يجب أن يوازيه تطور في البيئة الضريبية والمصرفية والجمركية كذلك. وهناك جهود حكومية مبذولة في البيئات الثلاث الأخيرة، لكن الحكم على النتائج مبكر جداً.
بناء على ما سبق، يمكن الاتفاق تقنياً مع وصف حاكم المركزي، محمد صفوت رسلان، لتجربة استبدال العملة في سوريا، بأنها “عملية وطنية ناجحة”؛ لكن من الصعب الاتفاق معه في الشطر الثاني من وصفه بأنها “أسهمت في تعزيز الثقة بالنظام النقدي”. فتحقيق ذلك يتطلب المزيد من العمل؛ أحد محاور هذا العمل، ترخيص محافظ الكترونية وخدمات دفع الكتروني وفق أحدث المعايير الدولية، كما يخطط المركزي. لكن يبقى أن لا غنى عن البحث في سبل إنعاش الإنتاج في البلاد، فذاك هو المدخل المستقر والأكثر ديمومة لتحقيق الثقة في الاقتصاد المحلي برمته. وهي ليست مهمة المركزي بطبيعة الحال، بل مهمة صانعي السياسات الاقتصادية والمالية في البلاد.


























