بعد الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء خلال تموز/يوليو 2025، برزت سلسلة من المبادرات السياسية والأهلية والمدنية التي حاولت تقديم تصورات للخروج من الأزمة، في ظل تعثر الحلول الرسمية واستمرار الانقسام الداخلي، وتزايد المخاوف من الانزلاق نحو صراع طويل الأمد.
ورغم اختلاف الجهات التي أطلقت هذه المبادرات، فإن معظمها التقى عند مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها رفض التقسيم، والحفاظ على وحدة سوريا، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة، وتحقيق السلم الأهلي، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مع تباين واضح في الرؤى المتعلقة بإدارة المرحلة الانتقالية داخل المحافظة.
“التيار الثالث”.. مشروع مدني لإنقاذ السويداء
تُعد مبادرة “التيار الثالث” من أحدث المبادرات التي خرجت من داخل المحافظة، إذ أطلقها أكاديميون ومثقفون وناشطون مدنيون تحت شعار بناء مسار وطني بعيد عن الاستقطاب الحاد بين الحكومة والفصائل المسلحة.
وترتكز المبادرة على إنشاء “هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، بوصفها إطاراً مدنياً غير حزبي وغير مسلح، يعمل على حماية المدنيين، وتوثيق الانتهاكات، والمساهمة في إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، بعيداً عن أي مشاريع انفصالية أو تدخلات خارجية.
وتحمل الوثيقة التي قدمها أصحاب المبادرة عدة أولويات، في مقدمتها:
- محاسبة مرتكبي الانتهاكات بصورة علنية.
- تحميل الدولة مسؤولية حماية المدنيين والتحقيق في أحداث تموز.
- إعادة المهجرين إلى قراهم.
- إطلاق سراح المختطفين.
- تعويض المتضررين.
- حماية الطلاب وتأمين عودتهم إلى الجامعات.
- اعتماد اللامركزية الإدارية ضمن إطار الدولة السورية.
- تحييد السويداء عن الصراعات الإقليمية.
- حصر السلاح ومنع استخدامه في الخلافات الداخلية.
وأكد القائمون على المبادرة أنها ليست مشروعاً لتشكيل سلطة بديلة، وإنما وثيقة مفتوحة للنقاش، هدفها تحويل الأزمة إلى فرصة لإطلاق مسار مدني وطني يعيد ترميم النسيج الاجتماعي.
المبادرة الأهلية.. رهان على المصالحة المجتمعية
بالتوازي مع المبادرات المدنية، برزت “المبادرة الأهلية لحل أزمة السويداء” برئاسة مطيع البطين، التي ركزت بصورة أساسية على رأب الصدع بين أبناء المحافظة والعشائر، ووقف التحريض، وإعادة بناء الثقة المجتمعية.
وتقوم المبادرة على فكرة أن الحل يجب أن يبقى داخلياً، بعيداً عن أي تدخل خارجي، عبر إطلاق حوار بين وجهاء السويداء والعشائر، وإحياء دور العقلاء والقيادات الاجتماعية في احتواء الأزمة.
ودعت المبادرة إلى:
- وقف التجييش الإعلامي وخطاب الكراهية.
- رفض التهجير القسري والطائفية.
- نبذ دعوات التقسيم.
- تفعيل حوار داخلي هادئ.
- جبر الضرر وتحقيق السلم الأهلي.
- التعاون مع مؤسسات الدولة لمعالجة الأزمة.
ويرى أصحاب المبادرة أن استمرار القطيعة بين مكونات المجتمع سيقود إلى فوضى يصعب احتواؤها، ولذلك يطرحون المصالحة المحلية باعتبارها المدخل الأساسي لأي حل سياسي أو أمني.
مبادرة الإنقاذ الوطني.. العودة إلى الدولة
وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، أُعلنت “مبادرة الإنقاذ الوطني – من جبل العرب إلى كل سوريا”، التي وقعتها شخصيات وعائلات بارزة من أبناء جبل العرب، لتقدم تصوراً أكثر وضوحاً بشأن العلاقة مع الدولة السورية.
وتضمنت المبادرة سبعة بنود رئيسية، شملت:
- إنهاء مظاهر الفلتان الأمني تحت مظلة الدولة.
- إطلاق جميع المخطوفين.
- تأمين طريق دمشق–السويداء.
- تشكيل لجنة مشتركة لإعادة الإعمار وتعويض المتضررين.
- التمسك بوحدة سوريا ورفض الانفصال.
- اعتماد اللامركزية الإدارية ضمن السيادة السورية.
- عقد مؤتمر للحوار والمصالحة بين أبناء السويداء والعشائر.
ووصفت المبادرة نفسها بأنها “نداء من القلب”، يهدف إلى وقف النزيف وإعادة بناء الثقة، مؤكدة أن مستقبل السويداء لا يمكن أن يُبنى إلا ضمن الدولة السورية.
بيانات العائلات.. رفض الانفصال ودعم مؤسسات الدولة
إلى جانب المبادرات المنظمة، صدرت خلال الأشهر الأخيرة سلسلة بيانات عن عائلات وفعاليات اجتماعية داخل السويداء، كان أبرزها بيان آل كيوان، الذي جاء في ظل تصاعد الخلافات بين الفصائل المحلية.
ورفض البيان بصورة واضحة مشاريع الانفصال أو تحويل المحافظة إلى كيان مستقل، مؤكداً أن “الكرامة الحقيقية تكون بالعودة إلى حضن الدولة السورية”، وداعياً إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وبسط سلطة القانون داخل المحافظة.
كما شدد البيان على رفض احتكار القرار داخل السويداء، محذراً من تحويل المحافظة إلى ساحة لصراعات إقليمية أو مشاريع سياسية لا تعبّر عن إرادة غالبية السكان.
ورحبت شخصيات اجتماعية وسياسية بالبيان، معتبرة أنه يعكس توجهاً وطنياً متنامياً داخل المحافظة يرفض الانقسام ويتمسك بالهوية السورية.
إجراءات الدولة.. مسار قضائي موازٍ
بالتوازي مع المبادرات المجتمعية، اتخذت الحكومة السورية عدة خطوات وصفت بأنها تمثل المسار الرسمي لمعالجة تداعيات الأحداث.
وأعلنت وزارة العدل تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لتقصي الحقائق في أحداث تموز 2025، تضم قضاة ومحامين وضباطاً، تتولى التحقيق في الانتهاكات وإحالة المتورطين إلى القضاء، مع تقديم تقرير نهائي خلال ثلاثة أشهر.
ويُنظر إلى هذه اللجنة باعتبارها إحدى المطالب التي كررتها معظم المبادرات المدنية، والتي شددت على ضرورة تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات كمدخل لإعادة بناء الثقة.
قواسم مشتركة رغم اختلاف المسارات
ورغم تنوع المبادرات واختلاف الجهات التي تقف خلفها، فإنها تتقاطع عند عدد من الثوابت، أبرزها الحفاظ على وحدة سوريا، ورفض مشاريع الانفصال، ووقف العنف، وإطلاق الحوار، وتأمين عودة المهجرين، وتعويض المتضررين، ومعالجة ملف المخطوفين، واستعادة مؤسسات الدولة لدورها داخل المحافظة.
في المقابل، يبرز الاختلاف في آليات التنفيذ، إذ يركز “التيار الثالث” على بناء إطار مدني مستقل، بينما تعطي المبادرة الأهلية الأولوية للمصالحة المجتمعية، في حين تضع مبادرة الإنقاذ الوطني إعادة تفعيل مؤسسات الدولة في صدارة الحلول.
لماذا تعثرت المبادرات؟
يرى صحفيون وناشطون ومثقفون من محافظة السويداء، ممن واكبوا تطورات الأحداث الميدانية منذ تموز 2025، في حديثهم إلى موقع تلفزيون سوريا، أن معظم المبادرات التي طُرحت اصطدمت بعوامل حالت دون تحولها إلى مسار عملي، في مقدمتها غياب آليات تنفيذ واضحة، وعدم وجود جهة تحظى بإجماع محلي تتولى الإشراف على تطبيق بنودها.
وأكدوا أن المبادرات على اختلاف الجهات التي أطلقتها، لم تتمكن من استقطاب جميع القوى الفاعلة داخل المحافظة، ولا سيما ما يتعلق بملف ميليشيا “الحرس الوطني”، التي ترفض أي محاولة للتفاهم أو الحل، الأمر الذي انعكس على فرص تنفيذ أي تفاهمات ميدانية.
وأشار ناشطون إلى أن حالة التعنت التي أبدتها بعض الأطراف في السويداء، وتمسك كل جهة برؤية “الحرس الوطني”، أسهما في إضعاف فرص نجاح المبادرات، وسط غياب توافق سياسي جامع يمكن البناء عليه.
كما يرى صحفيون أن غالبية الوثائق المطروحة اكتفت بعرض مبادئ عامة، من دون تحديد خطوات تنفيذية واضحة أو جدول زمني أو ضمانات لإلزام الأطراف المختلفة بما يتم الاتفاق عليه، ما جعلها أقرب إلى إعلانات سياسية منها إلى خطط قابلة للتطبيق.
وأكدوا أن أي مبادرة مستقبلية لن يكون لها أثر حقيقي ما لم يجري محاسبة جميع الأطراف المتورطة في الانتهاكات، ووقف الخطاب التحريضي الذي عمق الشرخ المجتمعي بين مكونات السويداء، مشيرين إلى أنه لم يتم حتى الآن اتخاذ أي خطوات عملية من قبل الجهات المختصة حول الحد من الخطاب التحريضي ومحاسبة الجهات التي حرضت على مكونات السويداء.
في المقابل، يرى المتحدث باسم مجلس أبناء عشائر السويداء المثقفين مصطفى العميري، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن المبادرات تعثرت بسبب تحكم “الحرس الوطني” بمصير أهالي السويداء، مشيراً إلى أن “الحرس الوطني” يختطف آراء أهالي السويداء ولا يريد المضي بتحقيق أي تقدم ملموس في أي من الملفات.
ووجه العميري في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، دعوة لأبناء السويداء من السياسيين والقانونيين للصلح والبدء باتخاذ مسار صلح مجتمعي بعيد عن مشروع ميليشيا “الحرس الوطني” الذي يطالب بانفصال المحافظة عن وطنها الأم سوريا.
- تلفزيون سوريا

























