تكثف السلطات السورية إجراءاتها لمكافحة تهريب السلاح عبر الحدود مع لبنان، في مسار برز مجدداً مع إعلان الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، اليوم الثلاثاء، ضبط 226 قنبلة من نوع “آر جي سي”(RGC) كانت مخبأة داخل مخابئ سرية في إحدى السيارات المتجهة إلى الأراضي اللبنانية. ويأتي ذلك بعد أيام من إحباط محاولة تهريب شحنة وصفتها وزارة الداخلية بـ”النوعية”، كانت تضم صواريخ بعيدة المدى وصواريخ موجهة مضادة للدروع وطائرات مسيّرة، قالت إن وجهتها النهائية كانت لبنان لصالح حزب الله. ويطرح تكرار هذه العمليات تساؤلات حول أسباب تشديد دمشق قبضتها على الحدود، وما إذا كان ذلك يقتصر على اعتبارات أمنية داخلية، أم يرتبط أيضاً بالانفتاح الدولي على الحكومة السورية الجديدة، ولا سيما بعد اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
تنسيق استخباراتي مع دول إقليمية
ويرى الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية فراس فحام، في حديث مع “العربي الجديد”، أن التشديد الأمني على الحدود السورية اللبنانية “ليس وليد اللحظة”، فهذه السياسة بدأت منذ سقوط نظام بشار الأسد، انطلاقاً من اعتبار المناطق الحدودية مع لبنان ساحات نشاط للمليشيات المدعومة من إيران، والتي عملت خلال السنوات الماضية على بناء شبكات داخل الأراضي السورية. ويضيف فحام أن الحكومة السورية الجديدة سعت منذ البداية إلى تحقيق هدفين متوازيين، أولهما ضبط الأمن الداخلي ومنع نشاط الخلايا التي قد تهدد الاستقرار داخل سورية، وثانيهما توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن البلاد لم تعد ساحة لحروب الوكالة أو ممراً لنشاط المليشيات الإقليمية.
باحث في الشؤون الأمنية والسياسية: دمشق سعت لتوجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن البلاد لم تعد ساحة لحروب الوكالة أو ممراً لنشاط المليشيات الإقليمية
ويعتبر أن هذا النهج انعكس إيجاباً على علاقات دمشق مع دول الجوار، وفي مقدمتها الأردن وتركيا ودول الخليج، إضافة إلى الولايات المتحدة. وفي ما يتعلق بإمكانية وجود تعاون مع واشنطن، يوضح فحام أن التعاون الاستخباراتي “أصبح قائماً”، مشيراً إلى أن سورية باتت جزءاً من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وهو ما يفتح المجال أمام تبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية، ليس فقط في ما يتعلق بنشاط المجموعات المدعومة من إيران، وإنما أيضاً في ملاحقة خلايا تنظيم داعش. ويؤكد أن هذا التنسيق لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يشمل دولاً إقليمية ودولية تسعى إلى الحد من الأنشطة التي تهدد استقرار سورية والمنطقة.
تحديات ميدانية
من جانبه، يعتبر الخبير الأمني والعسكري العميد فايز الأسمر أن استمرار محاولات تهريب الأسلحة، يعكس إصرار إيران وحلفائها على الحفاظ على خطوط الإمداد نحو لبنان، موضحاً لـ”العربي الجديد”، أن عمليات التهريب لا تستهدف حزب الله وحده، بل قد تمتد إلى جهات أخرى مناوئة للحكومة السورية الجديدة، في ظل سعي طهران، بحسب تقديره، إلى الحفاظ على أدوات نفوذها بعد سقوط نظام الأسد. ويشير الأسمر إلى أن إحباط عشرات محاولات التهريب خلال الأشهر الماضية، بما فيها الشحنة التي ضمت صواريخ موجهة وطائرات مسيّرة، يعكس إصرار الدولة السورية على فرض سيطرتها على الحدود مع لبنان والعراق، عبر نشر قوات حرس الحدود ووحدات عسكرية أخرى، إلى جانب تشديد الرقابة على المعابر الرسمية وغير الرسمية ومسارات التهريب.
ويضيف أن هذه الإجراءات ستؤدي عملياً إلى تضييق الخناق على شبكات تهريب السلاح والمخدرات والكبتاغون، لكنها ستظل تواجه تحديات ميدانية كبيرة، أبرزها طول الحدود ووعورة تضاريسها، وانتشار الممرات غير الشرعية والأنفاق، فضلاً عن الحاجة إلى تجهيزات تقنية متطورة، مثل الكاميرات الحرارية، والدوريات المتحركة، وزيادة نقاط المراقبة الحدودية.
دمشق تتبنى “سياسة استباقية”
أما الخبير العسكري ضياء قدور، فيلفت إلى أن القنابل من نوع “آر جي سي” (RGC ) ليست قنابل يدوية تقليدية، وإنما ذخائر تُستخدم عادة مع قاذفات القنابل الآلية، كما يمكن إسقاطها بواسطة الطائرات المسيّرة، وتتميز بقدرتها العالية على إحداث انفجارات وشظايا تستهدف تجمعات الأفراد والتحصينات والمركبات العسكرية خفيفة التدريع. ويرى قدور في حديث مع “العربي الجديد”، أن تكرار عمليات ضبط هذا النوع من الذخائر يعكس تطوراً في قدرات وزارة الدفاع والأجهزة الاستخباراتية السورية على مستوى العمل الاستباقي والكشف المبكر، معتبراً أن زيادة عدد الشحنات المضبوطة لا تعني بالضرورة زيادة التهريب، بقدر ما تعكس تحسناً في قدرات الرصد والمتابعة وتنفيذ العمليات النوعية.
ويضيف أن تشديد الرقابة على الحدود سيؤدي إلى تضييق خيارات شبكات التهريب وتقليص كميات الأسلحة التي تنجح في العبور، إلا أن تطوير هذه الجهود يتطلب تعزيز الإمكانات التقنية واللوجستية، والاستفادة من مرحلة رفع العقوبات لتحديث معدات المراقبة، إضافة إلى تعزيز الاستخبارات البشرية الميدانية، بما يسمح بالوصول إلى مستويات أعلى من السيطرة على الحدود. ويؤكد قدور أن التحولات الإقليمية دفعت دمشق إلى تبني سياسة أمنية أكثر استباقية، هدفها تحييد سورية عن الصراعات الإقليمية والتركيز على إعادة الإعمار، إلا أن نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات الأمنية والعسكرية على التعامل مع تحديات الجغرافيا، واتساع الحدود، واستمرار نشاط شبكات التهريب التقليدية.
وخلال الأشهر الأخيرة، أعلنت السلطات السورية سلسلة عمليات استهدفت شبكات تهريب السلاح على الحدود. ففي الأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الداخلية إحباط محاولة تهريب شحنة كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى والصواريخ الموجهة المضادة للدروع والطائرات المسيّرة، قالت إنها كانت متجهة إلى لبنان. كما تمكنت قوى الأمن الداخلي، في 15 يونيو/حزيران الماضي، من توقيف أحد المهربين في ريف حمص الغربي ومصادرة صواريخ كانت معدة للتهريب إلى لبنان، فيما أعلنت قوات الجيش السوري، مطلع إبريل/نيسان، اكتشاف شبكة أنفاق في بلدة ربلة بريف القصير، قالت إنها كانت تُستخدم في عمليات التهريب عبر الحدود، في مؤشرات تعكس استمرار المواجهة بين السلطات السورية وشبكات تهريب السلاح التي تنشط على الشريط الحدودي مع لبنان.
أعلنت السلطات السورية خلال الأشهر الأخيرة سلسلة عمليات استهدفت شبكات تهريب السلاح على الحدود
ويجمع الخبراء الذين تحدثوا لـ”العربي الجديد” على أن تشديد دمشق إجراءات مكافحة تهريب السلاح يعكس تحولاً في مقاربة الدولة لملف الحدود، من الاكتفاء بمراقبة المعابر إلى العمل على تفكيك شبكات التهريب بصورة استباقية، مدفوعاً باعتبارات أمنية داخلية ورسائل سياسية إلى الخارج. وبينما يرجح بعضهم وجود تنسيق استخباراتي مع شركاء إقليميين ودوليين في إطار مكافحة الإرهاب، يؤكدون أن نجاح هذه السياسة سيظل مرهوناً بتطوير القدرات التقنية واللوجستية، وتعزيز السيطرة على الحدود الممتدة والمعابر غير الشرعية التي لا تزال تمثل التحدي الأكبر أمام السلطات السورية.
- العربي الجديد






















