يتمسك شركس الجولان السوري المحتل بقراهم السورية قبالة تلة أبي الندى عند شريط خط الهدنة الذي تجاوزه الاحتلال الإسرائيلي ليلة سقوط النظام في 8 من كانون الأول 2024، مؤكدين لموقع تلفزيون سوريا على ضرورة انتهاء الانتهاكات والتوغلات الإسرائيلية وتوقيع الاتفاق الأمني الجديد على أساس اتفاق عام 1974، مع التشديد على رفضهم الكامل لتصريحات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، في أيار الماضي، التي وصف فيها الدروز والشركس بأنهم “إخوة في الدم وإخوة في الحياة”.
بعد سقوط النظام بدأ النازحون واللاجئون والمهجرون والمغتربون السوريون بالعودة إلى مدنهم وقراهم وبلداتهم من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، في الوقت الذي كان الاحتلال الإسرائيلي يتوغل على طول حدود الجولان السوري المحتل في الأراضي السورية بما في ذلك القرى التي أسسها الشركس السوريون “بئر عجم وبريقة والمدارية”، وسط حصول انتهاكات يومية من دخول دوريات للاحتلال وإقامة حواجز وتنفيذ حملات اعتقال ودهم أحياناً.
لماذا اختار الشركس الجولان؟
على الطريق من دمشق إلى القنيطرة، تسير المركبة بنا وتظهر شاخصات القرى والبلدات في الطريق، حقول قاحلة وأخرى مليئة بالأشجار والمزروعات الصيفية من بندورة وبطاطا وباذنجان وفليفلة وغيرها، تبدأ درجات الحرارة بالانخفاض، رغم الشمس الحارقة في دمشق وأطرافها، تنخفض درجة الحرارة من 38 في دمشق إلى 24 مع دخول القنيطرة ثم تنخفض إلى 12 في الليل، مع رياح عاتية، دفعت الاحتلال الإسرائيلي على الجهة الأخرى من الجولان المحتل لبناء مئات توربينات الرياح لتوليد الطاقة الكهربائية والتي تظهر بوضوح لكل من يزور المنطقة.
وفي سياق ذلك، قالت الصحفية السورية الشركسية سارة عابدي لموقع تلفزيون سوريا، إن هذه الطبيعة الجبلية الخصبة والمناخ البارد نسبياً شابهت إلى حد كبير طبيعة السفوح الجبلية التي هُجر منها الشركس في القوقاز، مما ساعدهم على التأقلم السريع ونقل مهاراتهم الزراعية والرعوية بدلاً من التوطن في المدن المكتظة.
عاش الشركس السوريون هجرات كثيرة، بدأت قصتهم الأولى في أواخر القرن التاسع عشر عندما جاؤوا إلى سوريا واستقروا في هضبة الجولان ودمشق وريفها وحلب، ثم هجرتهم “إسرائيل” من جديد بعد احتلالها لقرى وبلدات الجولان عام 1967، فانتشروا في سوريا.
تشير تقديرات إلى أن عدد الشركس في عموم المحافظات تراوح قبل اندلاع الثورة ضد نظام الأسد عام 2011، بين 400 و500 ألف نسمة، تراجع الآن إلى 200 – 250 ألف نسمة بسبب الهجرة إلى خارج البلاد خلال السنوات الماضية كما هو حال بقية السوريين.
كانت المناطق التي عاش فيها الشركس قد شملت 18 بلدة وقرية في الجولان، تقدر مساحتها الإجمالية بـ 1860 كيلومتراً مربعاً (أكبر من محافظة دمشق الإدارية 1599 كيلومتراً مربعاً) في أثناء حرب 1967، احتلت إسرائيل منها 1250 كيلومتراً، وبموجب اتفاقية فك الاشتباك التي تم توقيعها بين سوريا وإسرائيل في عام 1974 بعد حرب عام 1973، استعادت سوريا قسماً من هضبة الجولان، شمل بلدات وقرى تقطنها أغلبية شركسية، وهي بلدة بئر عجم وبريقة والمدارية (القحطانية).
وفي أواخر 2012 بدأت الهجرة الشركسية الثالثة مع قصف قوات النظام لقرى بئرعجم وبريقة والمدارية وغيرها من بلدات ريف القنيطرة، حيث تمركزت فصائل عديدة من الثوار فيها وعلى أثر القصف والمعارك غادرت معظم العائلات بيوتهم.
وفي ظل هذه الهجرات والآلام التاريخية التي عاشها هذا الشعب، أحيا شركس سوريا في 21 أيار 2026 للمرة الثانية في سوريا، الذكرى الـ 162 لـ “يوم الحزن الشركسي” الذي يمثل ذكرى أليمة تحييها أجيالهم سنوياً في دول الشتات التي استقبلتهم وأصبحوا مواطنين فيها، تخليداً لمأساة الإبادة الجماعية والتهجير القسري الذي تعرَّض له أجدادهم على يد جيوش روسيا القيصرية بعد أن حرمهم نظام الأسد لعقود من إحيائه بسبب تحالفه مع روسيا التي ساندته في حربه ضد السوريين على مدار 14 عاماً.
محاولات لشق الصف الشركسي العربي
مع بداية التوغل الإسرائيلي في خط الهدنة مسافة 15 كيلومتراً، حاولت قواته استقطاب الشركس على حساب العرب بهدف خلق شرخ مجتمعي في المنطقة، لكنهم فشلوا في ذلك، بحسب مصادر في ريف القنيطرة لموقع تلفزيون سوريا.
من جهته، قال سيف إسماعيل شاكوج أحد وجهاء بلدة بريقة، إن “المحاولات الإسرائيلية بدأت مع تقديم المساعدات للسكان والتي كانت للعرب والشركس على السواء، لكن المعاملة الخاصة لسكان القرى التي يغلب عليها الشركس كانت بسبب عدم حملنا للسلاح بشكل كامل، وأخبرنا جيش الاحتلال أننا نريد الأمن والسلام فقط”.
وسبق أن أصدر “مجلس العشائر الشركسية في سوريا” بياناً أعلن فيه بوضوح الرفض القاطع لأي محاولة لاستغلال اسم الشركس أو زجهم في مشاريع الاحتلال أو دعايته السياسية، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل.
الصحفية السورية الشركسية سارة عابدي أكّدت لموقع تلفزيون سوريا أن الشركس السوريين شاركوا في الثورة السورية عبر شبابهم وبناتهم وكان لهم دور فاعل في الحراك وفي العمل المسلح ضد النظام، خصوصاً في المرحلة التي دخل فيها الثوار إلى بريقة وبئرعجم ولذلك فهم متمسكون بالهوية السورية التي يعدونها وطنهم وبلادهم مع اعتزازهم بهويتهم القوقازية أيضاً، ولذلك نحن نرفض تصريحات نتنياهو وخطط الاحتلال التي يرسمها لقرانا وبلداتنا”.
مصدر في القنيطرة أكّد لموقع تلفزيون سوريا، أكّد أن التوغل الإسرائيلي لم يقتصر على الانتهاكات وإقامة الحواجز وتسيير الدوريات وقطع الطرقات وتجريف الأراضي ومنع الاقتراب من بعض السدود، بل أقاموا 10 قواعد عسكرية متقدمة تطل على مختلف قرى وبلدات القنيطرة القريبة من المنطقة العازلة تزامناً مع السيطرة على المرصد السوري فوق أعلى قمة جبل الشيخ.
وأوضح إبراهيم، أن قطاع بلدية بئر عجم يشمل قرى رويحينة وزبيدة وبئر عجم وبريقة، وتبلغ مساحة هذه القرى نحو 10 آلاف دونم، في حين يصل طول جهتها الغربية المحاذية لخط فك الاشتباك إلى 8.5 كيلومتر تقريباً.
وعند رصدنا لتمدد الاحتلال في المنطقة، تظهر مظاهر الحفر وإخراج الصخور ووضعها في جور الصرف الصحي، إلى جانب اقتطاع آلاف الكيلومترات من الأراضي المملوكة للأهالي ووضع شريط جديد إلى جانب خط الهدنة القديم.
مصدر آخر قال لموقع تلفزيون سوريا، إن الاحتلال الآن قد أوقف كل عمليات الحفر السابقة وسحب آلياته، لكن دورياته تمر بشكل يومي في القرى والبلدات وأحياناً يقيم الحواجز، بعد أن أجرى عمليات تفتيش واسعة لكل البيوت في القرى والبلدات الشركسية والعربية.
ويقدر عدد سكان قرى رويحينة وزبيدة وبئر عجم وبريقة والمدارية إلى جانب القرى العربية الملحقة بهم رويحينة وزبيدة، ما بين 3 آلاف 3.5 آلاف نسمة،
يعمل أكثر معظمهم في الزراعة وتربية المواشي إلى جانب وجود موظفين في خان أرنبة مركز محافظة القنيطرة التي لا تبعد أكثر من 15 دقيقة بالسيارة.
وبحسب سيف إسماعيل شاكوج يبلغ عدد العائلات العائدة بئر عجم وبريقة والمدارية بنحو 140 عائلة وهم وفق التالي “بريقة 65 عائلة، وبئر عجم 65 والمدارية 10 عائلات.
دوريات يومية في القرى
وعند تجولنا في البلدات أكلنا بعض حبات التوت الشامي من شجرة وسط الطريق، ثم لفتنا حال الدمار بسبب القصف بالهاون الذي شنه النظام المخلوع على مختلف القرى بين عامي 2012 و2018 والتي انتهت بسيطرة النظام على درعا والقنيطرة باتفاق تسوية رعته روسيا وهجر فيها المقاتلون ومن يريد من السكان إلى مناطق شمال غربي سوريا.
وفي أثناء الجولة، شاهدنا دورية اسرائيلية تضم مركبتين محصنتين، مرتا من دون أي توقف أو سؤالنا عن وجهتنا.
وفي سياق ذلك قالت الصحفية سارة عابدي “بالنسبة للتحركات الاسرائيلية فهو غير واضح تماماً ما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلية، ولكن في الفترة الأخيرة تعمل على تجريف الأراضي الزراعية ورشها بمبيدات لمنع تكاثرها وإنباتها.
وأضافت أنها عملت على بناء سواتر عسكرية على الأراضي القريبة من نقاط التمركز أعلى الجبل.
ماذا يريد شركس الجولان؟
ورغم أن التقرير يحكي قصة الشركس في سوريا، إلا أن المطالب في تلك القرى متشابهة إلى حد كبئر، حيث تغيب الدولة السورية عن تلك القرى، فهي لا تدخل المدارية إطلاقاً، ورغم استقرار الأوضاع نسبياً إلا أن السكان يريدون حلاً جذرياً للواقع الذي يعيشونه مع استمرار الاحتلال في دورياته وحالات الدخول والخروج اليومية.
في حين أكّد لنا شاكوج أن السكان الشركس يتطلعون إلى أهمية الإسراع في عقد اتفاق أمني مع الاحتلال لوضع حد للانتهاكات والتوغلات التي تزعج الأهالي وترعبهم أيضاً.
مع الإشارة إلى أن الأمن الداخلي في المنطقة يحضر مباشرة عند الطلب، في حال حصول مشكلات كبيرة.
وبيّن أن الخدمات والكهرباء والماء باتوا متوفرين بشكل جيد في بريقة وبئر عجم والمدارية، ولكن تم حفر بئر ارتوازي في بداية العام وهو بحاجة فقط لإكماله من قبل منظمة الصليب الأحمر.
وتابع عبر موقع تلفزيون سوريا، أن السكان في هذه المناطق نسوا أمر مواصلات النقل العمومية (السرافيس) لأنهم ملوا من الشكوى للجهات الحكومية لكن من دون جدوى.
- تلفزيون سوريا


























