تدل موجة الأفلام الإسرائيلية الأخيرة عن "حرب لبنان الأولى" ويقصد بها الإسرائيليون الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، تمييزاً لها عن حرب "لبنان الثانية" أي حرب تموز عام 2006؛ على بروز جيل من الكتّاب والمخرجين الإسرائيليين المعارضين للحرب يُذّكر الى حد ما بموجة الأفلام الأميركية المعارضة لحرب فيتنام التي ظهرت في السبعينات، والتي نجحت الى حد بعيد في تصوير جنون حرب عبثية لم يعد الجندي الأميركي يعرف لماذا يموت من أجلها، والتي ساهمت مساهمة فعالة في دعم الحركات الرافضة للحرب، وفي بلورة رأي واسع مندد بها.
ثلاثة أفلام إسرائيلية برزت في الأعوام الأخيرة عن حرب لبنان استحوذت على الإنتباه، هي "فالس مع بشير" لآرييه فولمان، و"قلعة الشقيف" لجوزف سيدار، وأخيراً "ليبانون" للمخرج صموئيل ماعوز. القاسم المشترك بين هذه الأفلام أنها من عمل كتاب أو مخرجين ما زالوا حتى اليوم يعيشون "أعراض" حرب لبنان الأولى، وسنوات الاحتلال لجنوب لبنان، والذكرى الموجعة للمواجهات الدامية التي خاضوها مع مقاتلي"حزب الله" "العدو الخفي" كما يصفه الكاتب رون ليشيم في كتابه"قلعة الشقيف" الذي حوّله سيدار فيلماً. وهم يحاولون في أعمالهم هذه التغلب على مشاعر الغضب والخوف التي عاشوها، ويبحثون عن إجابات على تساؤلاتهم بدءاً من جدوى هذه الحرب، ولماذا يموت الإسرائيليون على أرض لا تعنيهم، انتهاء بالقيم الأخلاقية التي يدّعي الجيش الإسرائيلي أنه يدافع عنها، والسؤال الأهم لماذا لا تستطيع إسرائيل العيش بسلام مع جيرانها.
"قلعة الموت"
من يقرأ كتاب رون ليشيم "قلعة الشقيف" سيفهم الضغوط النفسية التي عاشها جنود الجيش الإسرائيلي في حرب تموز 2006. فعلى الرغم من أن أحداث الكتاب المذكور تدور في قلعة الشقيف وخلال الأشهر الأخيرة التي سبقت انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان عام 2000؛ فالتشابه كبير بين ما جرى حينذاك وما جرى لاحقاً. فالكتاب يصور بطريقة واقعية وفجة الإحساس العام الذي كان يسود الجنود الإسرائيليين آنذاك بأنهم لا يعرفون سبب تواجدهم في هذه القلعة المعلقة على ارتفاع 700متر، وتعرضهم الدائم لصواريخ "حزب الله"، ومشاهدتهم موت زملائهم يوماً بعد يوم، ورعبهم من أن يموتوا قبل أيام قليلة من تنفيذ قرار الانسحاب من لبنان.
الكتاب والفيلم موجهان بصورة خاصة الى الجمهور الإسرائيلي وتحديداً الى الجنود الإسرائيليين لا سيما الشبان منهم، وهما يعكسان صورة مناقضة تماماً للصورة الرسمية التي تقدمها إسرائيل عن جيشها وجنودها. فبدلاً من الجيش الذي لا يُقهر، نشاهد جنوداً يرتعشون خوفاً في كل مرة تتعرض فيه مواقعهم للهجوم، أو جنوداً يجهشون بالبكاء بعد رؤية جثث رفاقهم الممزقة بصواريخ "حزب الله". ويتساءلون عن سبب بقائهم في هذا "الوحل اللبناني"، ويطالبون قيادتهم بإعادتهم الى منازلهم في أقرب وقت ممكن. نشاهد الخلافات بين الضباط الكبار في الجيش وبين قادة الفرق، والنقاشات بين الجنود حول جدوى بقاء إسرائيل في جنوب لبنان، والتأثير الكبير الذي كان لحركات الاحتجاج الإسرائيلية مثل حركة "الأمهات الأربع" على معنويات الجنود، وحالة الإنفصام الذي كان يعيشها الجنود في كل مرة كانوا يذهبون فيها في اجازة الى إسرائيل ليجدوا ان الناس هناك يواصلون حياتهم من دون ان يشعروا بما يجري لهم في لبنان.
عكس كتاب رون ليشيم والفيلم الذي أخرجه سيدار المأزق الذي وجدت إسرائيل نفسها بعد مرور أكثر من 18 عاماً على وجود جيشها في جنوب لبنان. في المشهد الأخير من الفيلم نسمع البطل يقول وهو يضغط على زر التفجير للإنشاءات العسكرية في القلعة أنه يشعر بأنه سيعود قريباً الى لبنان، متنبئاً ربما بما سيحدث لاحقاً في تموز 2006.
بعد قراءة كتاب "قلعة الشقيف" ومشاهدة الفيلم، تُدرك حجم وأهمية التغيير الذي أدخلته سنوات القتال ضد "حزب الله" على الذهنية الإسرائيلية. يبدو "حزب الله" عدواً خفياً خطراً لا يخاف من الموت، يتحرك بسهولة على أرض يعرفها جيداً، يستغل الأوقات الصعبة مثل ساعات الفجر الأولى حين يغطي الضباب كل شيء للقيام بهجماته. ويعكس ولو بصورة غير مباشرة تقدير الجنود لشجاعة خصمهم وتصميمه وقدرته على تحدي أقوى جيش في المنطقة. ففي المواجهات غير المتكافئة التي تدور بين الطرفين نشاهد كيف يتحول التفوق التكنولوجي عبئاَ ثقيلاً يعوّق حركة الجنود ويثقل عليهم بدلاً من أن يعينهم في قتالهم ضد الخصم. كما يُظهر الفيلم الخطر الذي شكلته العبوات الناسفة، وقد تحولت سلاحاً مميتاً يتربص بالدوريات الإسرائيلية الراجلة. باختصار الكتاب والفيلم صورة من الداخل للجيش والمجتمع الإسرائيليين، تختلف تماماً عن الصورة الشائعة التي نقع عليها في الصحف وفي وسائل الإعلام، وتفضح كل الادعاءات الإسرائيلية عن الاجماع الوطني على سياسات الدولة الأمنية في لبنان.
الحرب من منظار دبابة
يصور فيلم "ليبانون" يوميات طاقم دبابة إسرائيلية في الأيام الأولى للغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وتدور مشاهد الفيلم داخل الهيكل الفولاذي للدبابة وعبر منظارها. ومنذ اللقطات الأولى يعتريك الشعور بالاختناق وبالرهاب، ناهيك بالعنف الدموي لمشاهد اطلاق النار على المدنيين وتصفيتهم. والفيلم هو محاولة من جانب المخرج صموئيل موعاز لتجاوز الآثار المدمرة التي تركتها تجربة حرب لبنان، بعد أكثر من 25 عاماً. وتعكس شخصية بطل الفيلم" شموليك" تجربته الشخصية عندما كان جندياً يعمل على مدفع دبابة. يبدو "شموليك"، تائهاً وضائعاً، وخائفاً، يتردد كثيراً في اطلاق نيران مدفعه على سيارة مدنية تقترب من الفرقة الراجلة الإسرائيلية التي تعمل الدبابة على حمايتها، ويصاب بالرعب عندما يشاهد من منظار دبابته أشلاء الجثث، والدماء، والدمار الذي يحوطه ويرتعب كلما دخل قائد الفرقة الى الدبابة لتوزيع أوامره. والفيلم مليء بالرموز، فالدبابة المعطوبة رمز للخلل في الأداة العسكرية الضخمة التي دخلت لبنان لسحق مجموعة صغيرة من المقاتلين الفلسطينيين والتي لم تميز بين المسلحين والمدنيين، وقائد طاقم الدبابة الضعيف الشخصية وغير القادر على اتخاذ قرار هو رمز للقيادة العسكرية التي لم تكن تحظى كثيراً بثقة جنودها، مما يدفعهم في نهاية الفيلم الى التمرد على أوامرها، أما ضياع الدبابة وانحرافها عن هدفها يشيران بوضوح الى الغموض الذي اكتنف الخطط العسكرية خلال غزو لبنان. وجميع هذه الرموز واضحة الدلالة في معارضتها للحرب، تفضح عبثيتها ولا جدواها.
ولا يختلف فيلم صموئيل موعاز عن غيره من الأفلام التي ظهرت حول الغزو الإسرائيلي للبنان برمزيته فقط، وإنما بشدة ايحاءاته. فوتيرة الفيلم سريعة لاهثة متوترة من دون تطويل ولا تخلو من شيء من الجمالية السينوغرافية لا سيما في المشهد الأخير للفيلم حين نرى الدبابة وسط حقل من نباتات دوار الشمس حيث يخرج البطل للمرة الأولى في الفيلم من داخل الدبابة الى الضوء.
ولكن على الرغم من حدة لهجة الفيلم الانتقادية ومعارضته الواضحة للحرب، فإنه لم ينجح في الغوص في العمق الإنساني، ولا في تصوير جوانب الصراع الداخلي لشخوصها، مثلما شاهدناه في الأفلام المعارضة لحرب فيتنام. لقد ظلت هذه المعارضة ضمن اطارها الإسرائيلي الشخصي الضيق، بحيث يبدو الفيلم ذريعة للتكفير عن هذا الإحساس بالذنب اكثر من كونه صرخة ادانة ضد الحرب الإسرائيلية.
ولا يمكن المشاهد اللبناني إلا أن يتساءل عن قدرة هذه الأفلام على تظهير ودعم الحركات الرافضة لمنطق القوة والحرب في إسرائيل؟ وهل يمكن الأدب والسينما والمسرح أن تساهم فعلاً في خلق وعي جماعي مختلف قادر على مواجهة التطرف السياسي لليمين الإسرائيلي؟ من الصعب الإجابة على هذا السؤال، ولكن ربما عندما نعلم أن كتاب"قلعة الشقيف" تحول الى Best Seller وباع نحو عشرات الآلاف من النسخ داخل إسرائيل، على الرغم من ان إسرائيل عامة لا تحب الكلام عن جيشها، فإن ذلك قد يكون مؤشراً على المناخ الفكري والذهني السائدين وسط الجمهور الإسرائيلي.
"النهار"




















