بعد الانتقال من المجمتع الزراعي إلى المجتمع الصناعي شهد العالم في العقدين الأخيرين ثورات متواصلة في مجال الجينيوم، والعلوم العصرية، وثورات الاتصال، والتواصل، والمعلومات. وعندما فتحت المواقع الالكترونية باب التواصل بين العرب وباقي دول العالم برز حجم الهوة التي تفصل المجتمعات العربية عن مجتمعات تقنيات المعرفة والتكنولوجيا المتطورة.
لقد نشأت أجيال متعاقبة من طلبة الجامعات العربية، الحكومية منها والخاصة، على ثقافة التلقين التي ما زالت تغزو نسبة كبيرة من الجامعات العربية. فبرز تفاوت حاد في ثقافة خريجيها، وعلى مستوى اهتماماتهم، وتخصصاتهم العلمية والمهنية في مختلف مجالات التربية، والطب، والهندسة، والتكنولوجيا، والعلوم الإنسانية، والعلوم الاجتماعية، إضافة إلى الاهتمامات السياسية والنقابية والفنية وغيرها. وكانت الغالبية الساحقة منهم عاجزة عن مواكبة التطورات العاصفة في مجال الانفجار التكنولوجي، وثورات الإعلام والإعلان والتواصل. ولم تنفع المبادرات الفردية، ودورات التدريب المتقطعة لصقل المهارات الأكاديمية وتقديم بعض الدعم المالي لشراء أحدث الآلات التقنية، في ردم الهوة الرقمية التي جعلت الجامعات العربية كلها تصنف خارج دائرة الخمسمئة جامعة الأولى في العالم عام 2006. وذلك وفق التصنيف الذي أجرته مؤسسة شانغهاي الدولية لتقييم الجودة الأكاديمية.
دلالة ذلك أن الدول العربية التي عجزت عن بناء مجتمع صناعي واحد رغم مرور اكثر من ثلاثة قرون على انطلاقته في القرن الثامن عشر، تواجه اليوم مأزق العجز البنيوي عن بناء مجتمع المعرفة الذي يتعثر قيامه عاما بعد عاما. علما أن الدراسات الإسرائيلية شددت منذ عقود عدة على أن الصراع بين العرب والإسرائيليين سيحسم على مقاعد الجامعات وفي مراكز البحث العلمي، وليس في الكم المتزايد من البشر، والمواد الخام التي تبددت نسبة كبيرة منها دون أن تحقق نتائج إيجابية على مستوى التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة على امتداد الوطن العربي.
يحتاج مجتمع المعرفة إلى متخصصين يحملون شهادات علمية وأدبية وفنية عالية، ولديهم خبرة واسعة في مجال العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة. فالثقافة الالكترونية المتخصصة شديدة التأثير على سلوك الأفراد والجماعات، وتساهم بقوة في تطوير الثقافة العلمية العصرية في المجتمعات العربية. وقطعت الثقافة شوطا كبيرا في تقديم الخدمات الالكترونية لملايين الناس على امتداد العالم. بالمقابل، ما زالت غالبية المواقع المتخصصة العربية متخلفة جدا، وتعتمد أسلوب النقل عن المواقع الناجحة عالميا دون أن تقدم لها معارف إضافية. ولم تستقطب متخصصين يمتلكون الخبرة والمعرفة والتخصص العلمي، ويكرسون أوقاتهم وجهدهم لتقديم موضوعات علمية رصينة تزود المجتمعات العربية بمعرفة دقيقة، وتنشر معلومات نوعية جديدة.
وبعد أن دخل العالم بقوة عصر التقدم التكنولوجي وثورة الاتصالات، فإن نشر ثقافة الكترونية متخصصة بات مطلبا عربيا حيويا. وهي بحاجة ماسة إلى كوادر بشرية عربية مؤهلة علميا وتقنيا، وذات قدرة عالية على الابتكار والابداع، وتقيم التواصل الدائم مع المواقع الالكترونية العالمية، وتشجع الطلبة والباحثين العرب على التقدم في مجال تقنية المعلومات. ولا يمكن بناء نهضة عربية جديدة وقادرة على مواجهة تحديات العولمة إلا عبر مواقع بحثية متقدمة، وخريجين جدد مزودين بالعلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة. فهم يشكلون في الواقع العملي قوة جديدة تضاف إلى الموارد الطبيعية العربية التي باتت معرضة للنضوب.
بالإضافة إلى طلبة البعثات العلمية إلى الخارج التي تعود مؤهلة بكفاءة عالية لسد احتياجات التنمية المستدامة في الوطن العربي، ومد مؤسسات العمل والإنتاج والخدمات العربية بمختلف التخصصات والطاقات البشرية الشابة التي تتصف بالعلمية والمهنية.
ختاما، لقد تخلفت الجامعات العربية كثيرا عن مناهج التعليم المتطورة على المستوى الكوني. ورغم هدرها لثروات هائلة لم تستثمر الدول العربية سوى الفتات في بناء رأس المال البشري العربي الذي يشكل الركيزة الصلبة للتنمية البشرية المستدامة. وما زال مجتمع المعرفة المستند إلى العلوم العصرية وتقنيات المعرفة مغيبا. كما أن غالبية برامج التربية في الدول العربية ما زالت أسيرة التلقين، وهي بعيدة كليا عن ركائز التربية المستقبلية التي شهدت تبدلات عاصفة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وهي تقوم على تحقيق جودة التعليم في جميع مراحله، والتكامل بين التعليم الرسمي والتعليم الخاص، وإحداث نقلة نوعية من التعليم التقليدي إلى التعليم العصري، وتوظيف الخدمات الإلكترونية في عملية التعلم والتعليم، وإعداد الكوادر العربية المدربة على منهج الفكير الرياضي، والمزودة بتقنيات المعرفة وتكنولوجيا الاتصالات والتواصل.
"المستقبل"




















