نصير الأسعد
منذ إنتخابه في 25 أيار الماضي رئيساً توافقياً للجمهورية، أدى الرئيس ميشال سليمان المهام الملقاة على عاتقه بنسبة عالية من "التوازن"، سواء على الصعيد الداخلي أو على الصعيد الخارجي.
داخلياً، وإذ منحه "إتفاق الدوحة" وضعيةً ترجيحية، على مستوى إدارة السلطة التنفيذية تحديداً، إنصبّ اهتمام سليمان على محاور ثلاثة. المحور الأول هو مؤتمر الحوار الوطني في بعبدا، الذي عقدَ جولتين برئاسته حتى الآن ويستعدَ لجولة ثالثة في 22 كانون الأول الجاري، وقد أحيلت الى هذا المؤتمر القضية الرئيسية المتعلّقة بـ"الدولة" أي بقيام الدولة السيدة على كل شؤونها مطروحةً تحت عنوان "الإستراتيجية الدفاعية".
سليمان ومؤتمر الحوار: محطة وصل
يعرف رئيس الجمهورية أن الخلاف في البلد يدور في العمق حول الدولة وسيادة الدولة. ويعرفُ أن الخلاف يدور في العمق أيضاً حول تجنيب لبنان تبعات الصراعات الإقليمية وتداعياتها. ويعرفُ في الوقت نفسه أن التوصّل الى إتفاق لبناني، أو تسوية لبنانية بما يحقّق سيادة الدولة وحماية لبنان، مسألةٌ إن لم تكن "مستحيلة" فهي معقّدة. وتحتاج الى وقت، وإلى ظروف غير متوافرة في مدى منظور. ولذلك، فإن الرئيس يستبقي مؤتمر الحوار "محطّة وصل" الى حين نضوج ظروف تسوية لبنانية حول الدولة وسيادتها، ولا يخضع هذا "الإطار" لحساب موازين القوى، ويريدُه أن يبقى قائماً حتى إذا توافرت وقائع إيجابية مؤاتية كان هذا "الإطار" موجوداً.
"الصوت المرجّح" من أجل توافقات "متقدّمة"
من هنا، أي من هذا المنطلق، يتعاطى سليمان مع المحور الثاني الذي تمثّله "التهدئة"، بحيث لا يكون مؤتمر الحوار محاطاً بتوترات عالية من ناحية وبحيث يتوجّه اللبنانيون الى الإستحقاق الإنتخابي النيابي في الربيع المقبل في مناخ آمن نسبياً من ناحية ثانية. وكذلك الأمر في تعاطيه مع المحور الثالث المتمثّل بمركز القرار أي مجلس الوزراء. هنا، كان واضحاً باستمرار أن رئيس الجمهورية شديد الحرص على عدم تجيير الصوت المرجّح الذي يملكه لصالح أي من فريقَي الحكومة. بدا على الدوام ساعياً الى توافقات "متقدّمة"، في مصلحة تعزيز "فكرة" الدولة السيدة المستقلة. لا يتبنى منهجية "المعركة" التي تحملها 14 آذار كما لا يساير ما يطرحه فريق 8 آذار.
وقد قرن سليمان "التوازن" في أدائه الداخلي بـ"توازن" على مستوى الحركة الخارجية. ويستدلّ على ذلك مِن جدول الزيارات التي قام بها الى الخارج، وقد قادته جولته الى مجموعة من العواصم، وبعضها متنافر جداً.
"التوازن": خيار شجاع
على ان ما يقتضي تشديداً في هذا السياق، هو أن "التوازن" المشار إليه في الأداء الداخلي كما على المستوى الخارجي، لا يعني "حيادية بلا طعم" من جانب الرئيس سليمان. هو "توازنٌ" لم يخفِ إنحيازات الرئيس الى إستقلال لبنان وسيادة دولته، وإلى دور لبنان داخل النظام العربي وعلى مستوى الحوار بين الحضارات، وإلى المبادرة العربية للسلام المفترض أنها موضع توافق عربي. "توازن" في الأسلوب وإنحيازات في المضمون.. "توازن" في الأداء يستبعد الزوايا الحادة لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الرئيس إستقلالي ورجل دولة. وعلى أي حال، فإن "التوازن" في مثل الظروف اللبنانية والعربية والإقليمية القائمة، وعلى القاعدة المشروحة آنفاً، هو خيارٌ شجاع.
إستهداف الرئيس محاولة سورية متجدّدة
وليس ثمة شكٌ لدى أحد من المتابعين الجادّين في أن هذا "التوازن" في أداء الرئيس سليمان داخلياً وخارجياً، يقعُ في دائرة الإستهداف من جانب النظام السوري، أي أن الرئيس والرئاسة والدور في دائرة الإستهداف السوري. لماذا؟
لا يمكن تجاهل حقيقة أن لبنان يواجه في المرحلة الراهنة محاولة سورية متجدّدة لاستلحاقه واستتباعه والسيطرة على قراره الوطني.
تتجلّى هذه المحاولة السورية المتجدّدة في "مظاهر" عدّة.
في موازاة إقرار نظام الأسد بالتبادل الديبلوماسي مع لبنان، محاولةٌ ليس فقط لإستعادة ممارسات مرحلة الوصاية وأطرها ووسائلها بل تدخّل صارخ ومكشوف في الشؤون اللبنانيّة.
نسف المرجعيّات وتطويع الرئاسة
وفي موازاة العلاقة بالمؤسسات اللبنانيّة، السير في علاقات موازية على حساب المؤسسات وعلى حساب الدولة.
وأخذاً في الإعتبار الزيارة التي قام بها الجنرال ميشال عون إلى سوريا، وأخذاً في الإعتبار ما جرى "تقويل" عون سورياً، يمكن إستنتاج ان ثم رسائل سورية تؤكد التدخل في لبنان وتستهدف الدولة، وان ثمة مسعى سوريّاً لنسف كل مرجعيات الحوار الوطني الذي يديره رئيس الجمهورية على "نار هادئة"، من نسف إتفاق الطائف بوصفه أم المرجعيات، إلى نسف القرارات الدولية التي يلتزم بها لبنان لا سيما القرار 1701، إلى نسف مقررات الإجماع في حوار العام 2006 سواء تعلق الأمر بتحديد مزارع شبعا وترسيمها، أم تعلق بالسلاح خارج المخيمات. ولا يخفى على أحد أن النظام السوري الذي أعلن غير مرة، مباشرةً أو عبر أتباعه أنه وطّد العزم على تغيير الأكثرية النيابية للإتيان بحكومة يمكنه الإعتماد عليها، إنما يسعى منذ الآن إلى "ترويض" أو "تطويع" الرئاسة والرئيس، إلى إسقاط هذا الموقع في قبضته. وبهذا المعنى، فإن "الخربطة" على الرئيس وموقع الرئاسة، على إدارة الرئيس داخلياً وخارجياً، إنما تشكل "الجناح" الآخر من المحاولة السورية للسيطرة المتجددة على القرار اللبناني. فليس الرئيس "المتوازن" والمنحاز إلى الإستقلال والدولة، هو ما تريده المحاولة السورية المتجددة.
الترجمة الشجاعة لخيار "التوازن"
خلال الأسبوع الماضي، وتحديداً أسبوع ما قبل عطلة عيد الأضحى، ترجم الرئيس سليمان خيار "التوازن" الشجاع بمواقف شجاعة.
مِن برلين، أكد سليمان أن علاقات الدول بلبنان يجب ان تكون علاقات بالدولة اللبنانية وبرئيسها، وأن "حجم" العلاقة بالدولة اللبنانية ورئيسها يجب ان يطغى على "حجم" علاقات أخرى. وفي الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، بادر سليمان الى "إستيعاب" ملاحظات 14 آذار حول الزيارات إلى سوريا وتشديدها على الموافقة المسبقة لمجلس الوزراء عليها، فأكد أن المجلس هو صاحب القرار. وقبل ذهابه الى ألمانيا، كان سليمان أبدى استنكاره لـ"التعرّض" للمملكة العربية السعودية، في إشارة إلى الحملة على المملكة والتي تضرب "التوازن" في علاقات لبنان العربية.
هذه المواقف الشجاعة تفيد ليس فقط أن "توازنه" ليس "حيادية بلا طعم"، بل إنه "على السمع" تماماً.
وما لا مفرّ من التشديد عليه هو أن الأيام الماضية حملت من الوقائع والمعطيات ما يكفي للدلالة على أن النظام السوري، إنما يعلن بلا أي إلتباس إستهداف الرئيس والرئاسة… وما عون إلا "أداة توضيح" لهذا الإستهداف. وهذا مؤشر إلى تصعيد سوري بخطة متكاملة. ولا يملك الرئيس إزاء ذلك كله إلا خيار "التوازن" ولو كان "السير على بيض" هو أحد صيغه العمليّة في بعض الأحيان.




















