التزامن بين حلول الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبين صدور تقرير دولي، يصبغ الطابع الجرمي، على انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان الفلسطيني؛ مفارقة صارخة ولو غير مستغربة. مثل هذه الممارسة العدوانية، ليست جديدة على السلوك الإسرائيلي.
ولا هي المرة الأولى التي يشار إليها بإصبع دولي. لكنها هذه المرة تأتي لغة الإدانة ليس بأشدّ ما يمكن أن تكونه فحسب؛ بل أيضاً بما يشبه الاتهام الجرمي الصريح، الذي يقتضي إحالة المرتكبين إلى المحكمة أمام القضاء المختص؛ لإنزال العقوبة التي يستحقونها، بهم.
تقرير ريتشارد فولك، مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، يضع النقاط على الحروف. وبالتحديد فيما يخص حصار غزة، الذي صنّفه في خانة «العقوبة الجماعية التي تعدّ بمثابة جريمة ضدّ الإنسانية».
وأضاف المسؤول الدولي، بما يفيد أن إسرائيل تعمل بصورة منهجية على تجويع القطاع؛ وذلك من خلال السماح بمرور كميات محدودة من المواد الغذائية والوقود؛ كافية فقط «لمنع تفشي المجاعة والأمراض على نطاق واسع». طبعاً ليس من باب التعفف والإنسانية، بقدر ما هو من باب تجنب الضغوط إذا ما تجاوزت هذا الخط الأحمر.
وفي ما يشبه الحضّ على دفع هذا الملف نحو المحاكمة. يلحظ التقرير أنه «على المحكمة الجنائية الدولية أن تقرّر ما إذا كان يجب توجيه الاتهام إلى الزعماء المدنيين لإسرائيل وقياداتها العسكرية المسؤولة عن حصار غزة ومقاضاتهم بسبب انتهاكاتهم للقانون الجنائي الدولي». مضبطة اتهام، لا ينقص إلاّ أن يكون صاحبها قاضياً ـ وهو بالمناسبة يهودي أميركي، لا يسع إسرائيل وصمه بالتحامل ضدّها.
سبق لهذا المقرر أن وجّه انتقادات لاذعة لإسرائيل وسياساتها الانتهاكية في الأراضي الفلسطينية. لكن هذه المرة، وضعها في خانة الجريمة ضدّ الإنسانية. تهمة، ربما جاءت متأخرة. لكن تزامنها مع الذكرى الستينية لإعلان حقوق الإنسان، يعزز البعد الدرامي فيها؛ ويسلّط المزيد من الأضواء عليها. فبعد ستة عقود على ولادة الإعلان، لا تزال إسرائيل تتجاهله وتواصل نحره، بلا حسيب أو رقيب. بل تحت مظلة وقائية أميركية، ضمنت لها الإفلات المستمر من دون كلفة.
المادة 15 منه أكّدت على «حق كل إنسان أن يكون له وطن». والمعروف أنه بعد يوم من صدور هذا الإعلان التاريخي، صدر القرار الشهير 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. لم تضرب إسرائيل بعرض الحائط هذه الحقوق فحسب.
بل هي صادرت ولا تزال ما هو أدنى منها بكثير. من حق الانتقال بين المناطق الفلسطينية، إلى حق الحصول على حبّة الدواء ولقمة العيش. ولا من يحاسب. عدالة دولية نائمة. ووضع فلسطيني يسهل على إسرائيل انتهاكاتها.




















