خلال الايام المقبلة، ينكب خبراء وممثلون للقارات الخمس على صوغ مسودة اعلان عالمي جديد ضد العنصرية. هذا الاعلان سوف يصدر عن المؤتمر العالمي الرابع ضد العنصرية المتوقع انعقاده في جنيف خلال الربيع المقبل. المناقشات الاولى للمسودة دلت على وجود خلاف واسع بين فريقين من مندوبي الدول التي تساهم في صوغ المسودة. الفريق الاول، وخاصة الذي يمثل الدول الآسيوية، يريد اعتبار مؤتمر جنيف المقبل امتدادا للمؤتمر العالمي الثالث الذي انعقد في ديربان بجنوب افريقيا وتمحورت مناقشاته حول موضوعي مقارنة الصهيونية بالحركات العنصرية، والتعويضات على ضحايا تجارة العبيد.
الفريق الثاني يعارض بقوة الاتجاه الذي يمثله الفريق الاول. اسرائيل اعلنت الانسحاب من الاجتماعات التحضيرية التي اختطفها «المتطرفون والكارهون»، حسب تعبيرها، الذين يقارنون بين الصهيونية والعنصرية. مندوب كندا كان اول من اعلن انسحابه من الاجتماعات التحضيرية معللاً ذلك بأن بلاده لا تريد ان تكون «طرفا في كرنفال معاد للسامية». ادارة بوش اعدت العدة للانسحاب استجابة للضغوط التي مارستها المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة والعريضة التي وقعها عدد من الشيوخ الجمهوريين الذين طالبوا الادارة بمقاطعة المؤتمر. الشيوخ الجمهوريون طالبوا بمقاطعة المؤتمر لان مناقشاته سوف تتحول الى منبر لمقارنة الصهيونية بالعنصرية ولإصدار اعلان معاد لاسرائيل واستطرادا السامية.
الى جانب الحكومات انضمت منظمات صهيونية كثيرة الى الحملة المسبقة على مؤتمر جنيف، كما فعل «مرصد الامم المتحدة» الاسرائيلي في القدس، احتجاجا على مقارنة الصهيونية بالحركات النازية وعلى مقارنة اسرائيل بالمانيا الهتلرية. وقدم «المرصد» قبل فترة قصيرة مذكرة الى الهيئة التحضيرية لمؤتمر جنيف جاء فيها: بدلاً من تقديم معلومات موضوعية بغرض ازالة اشكال التمييز العنصري كافة، فإن المنظمات غيرالحكومية التي تساهم في التحضير للمؤتمر، بما في ذلك «منظمة العفو الدولية» و «مرصد حقوق الانسان»، اعتادت ان تنشر المزاعم الصاخبة وحتى الاتهامات المعايدة للسامية… مثل مقارنة الصهيونية بالنازية.
الى جانب اسرائيل وكندا والولايات المتحدة، فانه من المتوقع اذا اصرت دول آسيا وافريقيا على اعتبار مؤتمر جينف امتدادا لمؤتمر ديربان، أن تتسع مقاطعة المؤتمر لكي تشمل استراليا وفرنسا وبريطانيا وعددا من الدول الاوروبية الاخرى. هذه المقاطعة قد تؤثر على نجاح المؤتمر، ومن ثم على فاعلية الحملة الدولية ضد العنصرية. في هذه الحال، فان اسرائيل وحلفاءها سوف يحمّلون الدول التي تدين الصهيونية كحركة عنصرية مسؤولية اضعاف الحملة. بالمقابل، فإن هذه الدول تعتبر ان الامتناع عن اتخاذ موقف نقدي تجاه الصهيونية واسرائيل، استجابة لمواقف وضغوط الدول التي تهدد بمقاطعة المؤتمر، يشكل ثغرة كبرى في استراتيجية مناهضة العنصرية. في ظل هذه الاشكالية، هل تستطيع الدول والمنظمات الحكومية غير العربية المؤيدة لـ «ديربان 2»، ان تتمسك بموقفها هذا لجهة مقارنة الصهيونية بالحركات العنصرية، وان تعمل، في الوقت نفسه، على تعزيز صدقية وفاعلية المؤتمر المقبل؟
تستطيع الدول والمنظمات غير الحكومية العربية ان تساهم في توفير مناخ ملائم لمؤتمر جنيف اذا اعدت له إعدادا جيدا، واذا صاغت الموقف العام الذي سوف تتخذه تجاه الصهيونية وتجاه التعويضات في اطار انساني. من اجل بلورة مثل هذا الموقف، فان من المفيد ان تعقد الاطراف العربية المعنية بمؤتمر جنيف ورشة عمل تحضيرية تتناول المواضيع الرئيسية التالية:
1- دراسة ملف العنصرية الصهيونية والاسرائيلية دراسة جيدة. في هذا السياق فإن النظر في تاريخ الصهيونية ومنابعها العقائدية يوفر هو ايضا اداة فكرية وسياسية لتسليط الانظار على الطابع العنصري لهذه الحركة. وتملك المنظمات المناهضة للعنصرية، واستطرادا للصهيونية، وثيقة تاريخية بالغة الاهمية ترد بها على اتهام كل من يقارن بين الصهيونية والنازية بمعاداة السامية. وتتمثل هذه الوثيقة بالمذكرة التي قدمتها المنظمات الصهيونية الى الحزب النازي غداة وصوله الى السلطة في برلين والتي اكدت فيها التماهي بين الجانبين وامكانية التعاون الوثيق بينهما.
لقد جاء في تلك الوثيقة ان «الصهيونية تعتبر ان تجديد الحياة القومية، كما يحصل في المانيا عبر التأكيد على القيم المسيحية والقومية جدير بالتكرار لدى الجماعة اليهودية القومية» (…) واعربت الوثيقة عن استعداد المنظمات الصهيونية للاندماج في البنية الكلية للدولة النازية الجديدة التي «كرست مبدأ العنصرية». واتجهت المذكرة الى المزيد من التحديد اذ قالت ان «ادراكنا للقومية اليهودية يوفر الاساس لصلة مخلصة بالشعب الالماني وبالحقائق القومية والعرقية التي يستلهمها»، ثم تؤكد المذكرة ان المنظمات الصهيونية «لا ترفض المعتقدات العامة للنازية لانها هي الاخرى تعارض الزواج المختلط وتؤيد الحفاظ على نقاء الجماعة اليهودية وصفاء المناخ الثقافي اليهودي». على خلفية مساواة الصهيونية بالنازية والمقارنة بينهما، تعرض المنظمات الصهيونية التي لم تكن تمثل اكثر من 2 في المئة من مجموع اليهود الالمان، التعاون مع النازيين في كل مجال، بما في ذلك مقاومة دعوات المقاطعة الاقتصادية التي دعت اليها المنظمات اليهودية غير الصهيونية ضد النظام الهتلري. لقد انجب هذا الموقف تعاونا صريحا ضد الاكثرية الساحقة من اليهود الذين كانوا يعتبرون انفسهم مواطنين مخلصين في جمهورية وايمار الديموقراطية.
في ضوء هذه الواقعة وغيرها من الوقائع الكثيرة التي تدل على عمق الصلة بين الصهيونية من جهة والفكر والحركات العنصرية، من جهة اخرى، لا يستغرب المرء ما جرى في فلسطين من تطهير عرقي للفلسطينيين وما يجري اليوم من عقوبات جماعية تعرض اهالي غزة للمجاعة واعتداءات المستوطنين الاسرائيليين على الفلسطينيين في الضفة الغربية.
2- دراسة اوضاع العنصرية في العالم بما في ذلك المنطقة العربية. ان دراسة من هذا النوع سوف تعرف المشتركين العرب والرأي العام العربي على خطورة مسألة العنصرية، وعلى مدى استفحالها على الصعيدين العالمي والاقليمي. ان تجليات العنصرية الصارخة في الدول النامية معروفة لدى المتابعين للأوضاع الدولية. ولكن في الدول المتقدمة، مثل بعض الدول الاطلسية، تدل احصائيات كثيرة على ان التمييز العنصري في الخدمات الحكومية الوظيفية والتعليمية والصحية يزداد ولا ينقص. وتلبس النزعة العنصرية في الدول الاطلسية طابع الاسلاموفوبيا والآرابوفوبيا.
وكما هو الامر في دول نامية وصناعية فإن العنصرية لا تزال متفشية في المنطقة العربية وبصورة خاصة مع العمالة الوافدة من افريقيا وبعض دول آسيا. وتقول بعض التقارير الدولية ان العبودية لا تزال تمارس في المنطقة العربية. واذ يراجع المرء التاريخ العربي، يجد ان تجارا عرباً، وخاصة في المدن الساحلية، لعبوا دورا مهماً في تجارة العبيد، سواء بين افريقيا واوروبا او بينها وبين اميركا الشمالية.
3- انطلاقا من دراسة اوضاع العنصرية في العالم وفي المنطقة العربية، فان من المستطاع التوصل الى وضع استراتيجية للعمل ضد هذه الظاهرة المرضية، وضد تجلياتها كافة. في اطار الحملة ضد العنصرية فإن من المناسب ان تصدر جهة عربية تمثل الدول العربية مثل رئاسة القمة العربية او جامعة الدول العربية، اعتذارا علنيا الى شعوب افريقيا عن هذا الدور المعيب. كذلك من المفيد ان يقترن هذا الموقف بإعلان استعداد الدول العربية للمساهمة في تمويل صندوق دولي لتعويض الافارقة عن تجارة العبيد. في السياق ذاته، اي سياق مكافحة العنصرية فان من المستطاع العمل على اعادة تثبيت القرار 3379 الذي اصدرته الجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة باعتبار الحركة الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية. ان مثل هذه المواقف تكسب الحملة ضد العنصرية طابعا اكثر جدية وصدقية ما دام القائمون عليها يرفضون الرضوخ لحملات الابتزاز والضغط التي تشبه في جوهرها حملات الضغط التي مورست على نلسون مانديلا والمناضلين في جنوب افريقيا من اجل ارغامهم على الرضوخ لحكم «الابارتايد»، وما داموا يؤكدون استعدادهم لمحاربة شر العنصرية في بلادهم كما يحاربونه عند الآخرين.
* كاتب لبناني
"الحياة"




















