قد يكون الإنتقام من خطة أرييل شارون الانسحاب من غزة وتفكيك المستوطنات اليهودية هناك هو الهدف الأول للمعركة الانتخابية التي تخوضها أحزاب اليمين وعلى رأسها حزب "الليكود" ضد حزب الوسط "كاديما" وأحزاب اليسار. ويبدو اليوم أن مفاعيل قرار شارون الذي أدى حينذاك الى انشقاق داخل الليكود بين مؤيد للانسحاب ومعارض له ما زالت تتفاعل بشدة على أكثر من صعيد؛ بدءاً من توزيع "الليكود" المقاعد على مرشحيه، واحتلال المقاعد العشرة الأولى من جانب أسماء وشخصيات في الحزب عارضت بشدة خطة الإنسحاب من غزة، وانتهاء بالتأثير الكبير الذي يتركه كل صاروخ قسّام ينطلق اليوم من غزة ليسقط على المستوطنات اليهودية المتاخمة للقطاع على جمهور الناخبين في اسرائيل وعلى الشعبية المتزايدة لحزب "الليكود".
تعكس قائمة مرشحي حزب "الليكود" ما فعلته الأعوام الثلاثة التي أعقبت الانسحاب الاسرائيلي من غزة من يأس لدى الإسرائيليين بامكان التوصل الى حل مع الفلسطينيين ومن شكوك لدى الجمهور العريض بقدرة السلطة التي كانت في الحكم في تلك الفترة على تأمين أمن اسرائيل والدفاع عن بقائها. ثمة اجماع اليوم وسط المعلقين الاسرائيليين أن "الليكود" لا يظهر فقط أكثر يمينية وتشدداً لا بل بات أقرب الى ان يكون حزباً "حريدياً" دينياً متشدداً عنصرياً لا سيما بعد نجاح أحد المرشحين، موشيه بيغلين المثير للجدل، في الوصول الى المقعد العشرين الذي يعتبر من المقاعد المضمونة مما يشكل انقلاباً فعلياً في هوية الليكود اليمينية ليجعله حزباً يهودياً متطرفاً.
وللتعرف أكثر على المرشح الجديد يكفي أن نعلم أنه من أشد المعجين بباروخ غودلشتاين مرتكب مجزرة العمال الفلسطينيين في القدس؛ ومن الذين يعتبرون اغتيال اسحق رابين مؤامرة من صنع "الموساد" ألصقت زوراً بإيغال عمير، وصاحب افكار متطرفة من نوع ان على اسرائيل ان تسحب عضويتها من الأمم المتحدة وان تغلق سفاراتها مع كل الدول المعادية للسامية. أما بالنسبة لكيفية التعامل مع الفلسطينيين فيجب على الجيش الاسرائيلي ان يحتل ويدمر كل مدينة فلسطينية تنطلق منها صواريخ القسام. ويدعو بيغلين الى وقف امداد السلطة الفلسطينية بالماء والكهرباء والمال ووسائل الاتصال. وكل هذه الآراء والأفكار معروضة بالتفصيل في موقع على شبكة الانترنت لحركة "القيادة اليهودية" التي يتزعمها منذ مدة والتي لديها خطة ثورية تغييرية للسلطة بحيث تصبح اكثر يهودية.
ليست شخصية بيغلين وحدها المقلقة، ولكن كل الشخصيات التي تحوط بنتنياهو والتي يجمعها قاسم مشترك واحد هو رفض فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة واي انسحاب جديد من مدن الضفة، والتي تعتبر الانسحاب من غزة بمثابة "خطيئة" كبرى ارتكبها شارون وحزب "كاديما" بالاضافة الى الاخفاق الكبير لحكومة اولمرت في حرب تموز 2006.
من يقرأ البرامج الانتخابية لأحزاب اليمين على أنواعها يلاحظ اللهجة المتطرفة الشديدة العداء ليس لفكرة التسوية والحل السلمي وانما أيضاً لكل الأحزاب الاسرائيلية التي تبنت هذه الأفكار وهذه الحلول. فحزب "العمل" يدفع اليوم الضريبة الباهظة لفشل اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين ولنشوب انتفاضة الأقصى؛ وتسعى أحزاب اليمين وحزب "الليكود" بصورة خاصة الى تدفيع "كاديما" اليوم "خطيئة" الانسحاب من غزة وعجزه عن حسم الأمور في القطاع والتصدي لحركة "حماس" وتقديمه التنازلات لمحمود عباس وللسلطة الفلسطينية.
فوز اليمين في الانتخابات ووصول بنيامين نتنياهو الى رئاسة الحكومة سيشكل انتكاسة كبيرة لأحزاب الإعتدال واحزاب الوسط وبالتالي لكل مشاريع التسوية والحلول السلمية. مع اليمين الاسرائيلي الجديد ذي النزعات القومية اليهودية الممزوجة بالتطرف الديني والشديدة العداء لليسار الإسرائيلي نحن امام فصل جديد من النزاع العربي – الاسرائيلي أكثر قسوة وتطرفاً.
"النهار"




















