يبدو أن باراك أوباما شكّل فريقاً يتمتّع بكفاءة استثنائية للتعاطي مع الأزمات في الداخل والخارج – وللمباشرة بالتخلّص من الفوضى التي سادت في الأعوام الثمانية الماضية.
فلماذا يخالجني إذاً شعور بعدم الارتياح؟
هيلاري كلينتون، روبرت غايتس، إريك هولدر، رام إيمانويل، لاري سومرز…
من الواضح أن الكفاءة تتفوّق على الإيديولوجيا في الإدارة المقبلة، والله أدرى أن الوقت حان، بعد ولايتين لبوش وشركائه، للعودة إلى فكرة الاستعانة بأشخاص أذكياء وأكفياء كي يقدّموا المشورة للرئيس وينفّذوا سياساته.
التساؤل الذي يراودني هو إذا كان أعضاء فريقه، إلى جانب إدراكهم للمسائل المختلفة ونجاحهم في الوصول إلى السلطة، يتحسّسون فعلاً حاجات الناس الذين يفترض بهم أن يمثّلوهم.
لا شك لدي في أنهم يملكون أفضل النيات. غير أن من يتسلّمون مقاليد السلطة في واشنطن يقبعون داخل فقّاعة تجعل من الصعب للغاية سماع أصوات الأشخاص الذين لا يتمتعون بالنفوذ.
يوم الاثنين، أعلن الرئيس المنتخب أسماء أعضاء فريقه للأمن القومي الذين سيواجهون مجموعة كابوسية من التحديات: الخفض الموعود لعديد القوات في العراق؛ وتفاقم الوضع في أفغانستان؛ والأزمة التي تلوح في الأفق في إيران وباكستان؛ وهلم جرّا.
لكن يتعيّن على هذا الفريق أيضاً أن يولي اهتماماً لعناصر الجيش الذين أرهقتهم سنوات طويلة من الاستبسال في الخدمة. لقد شارك معظمهم في ثلاث أو أربع دورات قتالية (أو أكثر)، وتعرّض الآلاف لإصابات دماغية وجسدية، ويواجهون صعوبة في لململة حياتهم من جديد. ولذلك هناك تحدِّ مهم بقدر التحديات في العراق وأفغانستان يكمن في توجيه رسالة – وترسيخها – مفادها بأنه ينبغي على مزيد من الأميركيين أن يشاركوا في التضحيات المطلوبة للحفاظ على أمن البلاد ومصالحها.
شنّ الرئيس المنتخب أوباما حملته انطلاقاً من شعار التغيير. وطوال سنوات أظهرت الحكومة الفيديرالية اهتماماً متزايداً بمصالح الأثرياء والنافذين. وبلغت هذه النزعة منحى تصعيدياً مدمِّراً عند وصول الإيديولوجيين وغير الأكفياء في إدارة بوش إلى السلطة.
هذا ما يجب تغييره.
هل سيبدأ فريق أوباما، اللامع جداً على ما يبدو، الاهتمام منذ اليوم الأول بمصالح من ليسوا أثرياء ومن لم تعيرهم السلطات آذاناً صاغية؟ وأقصد بذلك عناصر الشرطة والإطفاء وعمّال المصانع والمعلّمين في المدارس والمعاونين في المستشفيات وأمناء الصندوق في المصارف وسائقي الشاحنات الذين يجدون صعوبة في تأمين لقمة عيشهم، والاحتفاظ بمنازلهم وإرسال أولادهم إلى الجامعة. هل ستهتم الإدارة الجديدة بهم كما يجب؟
أحد الأسباب وراء الضائقة الاقتصادية الشديدة هي أن الأميركيين العاديين لم يحصلوا على حصة عادلة في التقدّم الاقتصادي الذي تحقق في السنوات الماضية. لا نسمع كثيراً عن هذا الموضوع. فالأميركيون يعملون بجهد أكبر فأكبر، وبفاعلية متزايدة (نحن الآن الشعب الأكثر كداً في العمل على وجه الكرة الأرضية، وقد تجاوزنا اليابانيين في هذا المضمار)، غير أن العمّال العاديين لم يتقاضوا بدلاً مقابل هذا التحسّن في الإنتاجية.
كتب زميلي في "نيويورك تايمز"، ستيفن غرينهاوس، في كتابه The Big Squeeze: Tough Times for the American Worker (الشّدة الكبرى: أزمنة صعبة للعامل الأميركي) الذي صدر في وقت سابق هذا العام: "على الرغم من أن أرباح الشركات تضاعفت منذ حلّ التوسع الاقتصادي مكان الركود في تشرين الثاني 2001، وعلى الرغم من أن إنتاجية الموظفين ارتفعت بنسبة تفوق الخمس عشرة في المئة منذ ذلك الوقت، إلا أن متوسّط أجر العامل الأميركي العادي لم يرتفع سوى واحد في المئة (بعد التضخّم)".
هذا جزء من إجحاف كبير يلحق بالناس منذ نحو ثلاثة عقود. ولا عجب في أنهم استنفدوا مدّخراتهم وزادوا بطاقاتهم الائتمانية إلى أقصى حد.
بالتأكيد ليست الأزمة الآن أزمة جمود الأجور إنما أزمة اختفاء الوظائف. ولا تحتاج البلاد إلى تغيير وحسب إنما إلى تغيير كبير.
لقد تحدّث الرئيس المنتخب أوباما عن "فجر جديد في القيادة الأميركية". قبل ثلاثة أرباع القرن، وعد الرئيس فرانكلين روزفلت ب"برنامج جديد" وقال إن مهمته الكبرى تتمثّل في "تأمين عمل للناس".
وهذه عبرة مناسبة جداً للرئيس المقبل. آمل أن ينذر "الفجر الجديد" الذي يبشّر به أوباما بأكثر من مجرد محاولات صغيرة على هامش التغيير الحقيقي. نحتاج إلى تغيير يقود إلى تشارك أكبر في التضحيات في الحروب والأزمنة الصعبة، وإلى توزيع أكثر مساواة لموارد البلاد في كل الأوقات.
أريد أن أعرف من سيصغي في إدارة أوباما للفتاة الصغيرة في ساوث سايد في شيكاغو التي حُكِم عليها بأن تدرس في مدرسة حكومية رديئة تكبّل آفاقها للمستقبل، وعامل المصنع في توليدو الذي قضي على مستقبل عائلته بسبب جشع الشركات المطلق العنان والسياسات التجارية غير العادلة.
كل الأدلة تشير إلى أن الإدارة المقبلة سوف تتمتع بكفاءة وذكاء شديدين. لكنني أريد أن أعرف لمن سوف توجّه سياساتها.
"نيويورك تايمز"
ترجمة ن. ن.
"النهار"




















