كلّ ما كان "الجنرال البرتقالي" يحاول الإيحاء به من نديّة بينه وبين سوريا (ككل، وليس فقط النظام السوري)، ويحتجّ به لتبرير مصالحته مع حاكم دمشق، سقط بتوالي إعلاناته الفاقعة عن تبعيّة متشوّقة لديه، ذكّرتنا بمشاهد من الأفلام المصرية القديمة للعشيقة الحالمة برضى معشوقها، وانهيار كلّ قيَمها الأخلاقيّة، إلى حدّ الإبتذال، أمام ادّعائه الوله بها.
هذه الصورة، التي قد تحرّك لدى البرتقاليين انزعاجاً، لا يمكن تخيّل بديل منها، سوى حال التلميذ المتزلّف لمعلّمه، كي يعوّض تقاعسه عن الدرس وتخلّفه عن أترابه، بتودّد أعمق غباء، وأصدق ابتذالاً.
فالجنرال التائب عن وطنيّة صوّرها للبنانيين ميزة، وأسندها إلى عداء مقيم لديه لسوريا، لم ينفكّ منذ بهرَته الطائرة الرئاسية السورية، يتفّنن في جلد الذات، وتقويس الظهر، بالكلام والفعل، لطلب المغفرة. وطريقه إلى ذلك، ادّعاء الرسوليّة بما يعني التطهّر من آثام سابقة، ولعن كل مَن لا يوافقه الإستدارة الجديدة.
محطّات التزلّف توالت منذ داخلَه الفرح الكبير بتضخّم الأنا، لحظة تحليق الطائرة الرئاسيّة السورية فوق بيروت. شعرَ حينها بفوز معنويّ حَلِمَ به منذ زار دمشق في الثمانينات طلباً لترئيسه لبنان.
يستغبي الجنرال ذكاء اللبنانيين بادّعائه الإيمان بأن "سوريا في سوريا، ولبنان في لبنان"، فهو ان صدّقَ نفسه وسلّم بـ"رسالة تنقية الوجدان" التي زعم تبنّيها، فإنه لا يستطيع إقناع حتى وجدانه "المنقّى"، بأن "سيادة الرئيس" نقّى وجدانه أيضاً من الأطماع في لبنان، ومن "الحلم" بإجهاض المحكمة ذات الطابع الدولي تحديداً.
هذا الانطباع يتكوّن عند العاقلين أي أصحاب العقول الراجحة، الذين لم يغب عنهم أن "سيادة الرئيس" أحسَنَ "معالجة" زائره، على طريقة ما يختصره العامّة بعبارة "أخذه على قد عقله"، ومنذ ما قبل الزيارة: لم يكن خافياً لدى أي مراقب تضخّم الأنا لدى جنرال الرابية. لكن "حزب الله" كان السبّاق إلى "تنفيخها" بترويج لـ"وثيقة مار مخايل" على انها وُقّعت مع زعيم الغالبية المسيحية، وهو لقب لم يتردّد حامله في تلقّفه على حساب ادّعاءات سابقة بترفّعه عن الطائفيّة.
بَنَت قوى "شكراً سوريا" دعائم كثيرة لتورم الأنا البرتقالية منذ تلك الوثيقة، وكانت تسمية الجنرال كمفاوض عنها مع قوى 14 آذار ذروة انتفاخه النفسي. ثم كرّت سُبحة التصريحات من الناطقين بصوت "حزب الله"، من نواب ووزراء وخطباء مناسبات العزاء لتركّز في ذهن الجنرال انه واحد أحد في آرائه وزعامته، وأن الآخرين لا يرقون إلى غبار قيادته الرشيدة. وصار في أدبيات جوقة أيار مناضلاً قومياً، ومناصراً صلداً في وجه الإمبريالية الأميركيّة.
دانت الألقاب للجنرال. وكاد "نافخوه"، للحظة، أن يشبّهوه بأبطالهم، لولا بعض خوف يفرضه حفظ الاحتكار، لمن يقيم في دمشق وطهران، ولترك شيء لهؤلاء يسبغونه عليه يوم يأتيهم ليؤكّد الولاء. فكان أن أقطعوه ولاية مسيحيّي الشرق، بمساحة ديموغرافية مشتّتة بين إيران وسوريا، ومحدّدة بقرار حكام البلدين حين زارهما. وهو خرج من لقائه و"سيادة الرئيس" ليُعلن ان وجوده في دمشق "يضفي جواً مطمْئِناً للمسيحيين في كلّ الشرق".
وإذا كان أحمدي نجّاد لم يُجلِسه على كرسيه، لدواعٍ دينيّة منها انه مكلّف شخصياً من الوَلي الفقيه، ولا يحقّ له توكيل أحد آخر بها، فإن الأمر اختلف في دمشق، حيث الرئيس القائد، اختار أصلاً المقترعين لتوليته، وحدّد نسبتهم بـ99 في المئة، أو ما يجاورها.
لكن العلاج النفسي السوري للجنرال لم يبدأ عند وصوله إلى دمشق، بل قبل ذلك: نقَلَته طائرة الرئيس السوري شخصياً من مطار بيروت، فانطلق بذلك "دوزاج" الإمساك بتركيبته النفسيولوجيّة.
ثمّ جاءت "الضربة القاضية" بإجلاسه في كرسي الرئيس، وإدعاء بشار الأسد التواضع في حضرته إلى حدّ جلوسه شخصياً إلى يمين الضيف، في حركة إجلالٍ وتقدير مفتعلة لجأ إليها الرئيس السوري يوم استقبل رئيس الحكومة اللبنانية السابق الدكتور سليم الحص، إبّان احتدام مشكلة علاقته مع لبنان وسعيه إلى إعادة تشكيل جبهة أصدقاء ومؤيّدين في بيروت، ورداً على موقف رئيس الحكومة الحالي فؤاد السنيورة ومعه الغالبية.
إلا ان الفارق هو في مدى رجاحة عقلَي الرجُلَين اللذين تبدّت التمايزات بينهما منذ مرحلة الحكومتين الشهيرة، إنطلاقاً من التناقض بين الحكمة والتهوّر: خرج الحص من الكرسي المُعارة من دون أن يجيّر موضوعيّته لصاحبها. وخرج الجنرال من الكرسي المعارة وقد أجّر صوته لمالكها.
وعلى نمط كرسي الطائرة الحربيّة، قذفت كرسي رئيس قصر الشعب الدمشقي، رئيس "التيار" في فضاء الإنحناءات والطأطآت، وفضح انتماءه السرّي إلى مشروع طهران الاقليمي، بعدما أوهمته دمشق بعد طهران بزعامة مسيحيّي الشرق. أعطتاه وهُما لا تملكان زعامة لا يستحقّها. فلا مسيحيّو إيران ولا مسيحيّو سوريا عكسوا يوماً شعوراً بالراحة للنظامين. فقمع الملالي للأوّلين ينافس تضييق البعث على الحريّات للآخرين (وغيرهم) شهرةً وأسلوباً.
مرتاحاً إلى "السؤدد" الذي بلغه، لم يتأخّر الجنرال في سداد فواتيره، ومن دمشق، فهاجم قوى 14 آذار ليؤكّد إنضواءه تحت مظلّة دمشق، وطالب بتعديل الطائف من "كرسيّه" فيها، وهو يعلن، بذلك، وعملياً، انه سيخوض الإنتخابات على قاعدة عنوانين: إسقاط التوازن الذي أرساه اتفاق الطائف، والإنضواء تحت لواء دمشق، واستلحاقاً من يمثّله المحور الإيراني – السوريّ إقليمياً. ولم ينسَ التشكيك بالحكومة "الوهميّة"، ووصف مجلس الإنماء والإعمار بأنه الحكومة الفعليّة، وتبنى الموقف السوري من القرارات الدولية، من دون أن يأتي على ذكر معسكراتها الفلسطينية على الاراضي اللبنانية من الناعمة الى قوسايا.
إعلان المواقف العونية من العاصمة السورية ليس إلا وشاية عن تأكيد تدخّلها الذي لم يتوقف في الحياة السياسية اللبنانية، برغم خروج قواتها العسكريّة، وهو ما كان الجنرال، يعتبره، قبل توبته و"الاعتراف" على كرسي قصر الشعب (؟!)، من المسلّمات التي لا جِدالَ فيها، ولا تخرج عن طبيعة النظام السوري وأطماعه.
بهذين العنوانين قدّم الجنرال نفسه "عصا غليظة" في يد النظام السوري، مبايعاً ومقدّماً الولاء له. لم يعلّمه التاريخ أي شيء. نسيَ ان "الجبهة اللبنانيّة" لجأت إلى نظام دمشق في السبعينات (مرغمة أو مختارة)، لدعم موقفها في الصراع الداخلي، ولما استتبّ الأمر له (أي النظام)، أظهر حساباته الخاصة، وجعل من لبنان ورقة مساومة في البازار الدولي – الإقليمي، فدفع المسيحيّون، قبل غيرهم، الثمن.
المشهد يتكرّر، ومن بدايته، ولو من دون عسكر ظاهر. والجنرال يُمعِن في "المبايعة" ويستطرد في تبنّي شعارات نظام البعث المرحليةّ، وتسهيل مؤامراته على لبنان، فيصف منطقة الشّمال بأنها "تشكّل خطراً في ثلاثة اتّجاهات. تشكّل خطراً إذا تمكّن منها الإرهابيون في اتجاه سوريا، من خلال التسلّل من لبنان إلى سوريا. وهذا هو الاتجاه الأول. أما الثاني فهو إمكان التسلل إلى الداخل اللبناني، وبدأنا نرى منهم في الجنوب، تسلّلوا إلى منطقة المخيّمات. والمنطقة الثالثة التي تتحدّث عنها الدول المكافحة للإرهاب، البحر الأبيض المتوسّط هو طريق تواصل سهل جداً. في البرّ هناك عوائق وحدود، يمكن أن يكون اختراقها في بعض الأحيان صعباً عليهم، يريدون التسلّل. ولكن في البحر يمكن أن يصلوا إلى أميركا وأوروبا وكل بلدان العالم".
ويستكمل الجنرال ولاءه بتوسيع اتّهامه إقليمياً، في موضوع الشمال اللبناني، ليؤلب الغرب على دول عربيّة تكد دمشق لاتّهامها بتمويل الإرهاب، فيقول: "هنا ألفت نظر الدول الغربية، لأنني أشعر أن بعض اللاعبين مع الإرهاب يستعملون الإرهابيين، على رغم أنهم يكافحونهم" ثمّ يستلهم ما علق في ذهنه مما تعلمه في حياته العسكريّة من تعابير فيقول: "أحياناً يستعملونهم حتى يضربوا الاستقرار في بلد معيّن ولسبب معيّن ويستغلّونه… هذا نوع من Indirect Strategy. يشعلون منطقة حتى يتمكّنوا من التدخّل فيها".
وفي إستكمال لتلاوة فعل الندامة التي أداها على الكرسي المعارة، تبرّأ "البرتقالي الأول" من القرار 1559، ووصفه بأنه أتى "وفق رغبات الدول الكبرى التي صنعته"، وقال انه "فوجئ" بما يتعلّق بسلاح "حزب الله"، ونسيّ انه القائل شخصياً يوم كان "عونياً"، أن هذا السلاح هو "سلاح فتنة".
الأنا المتورّمة جعلت "الجنرال البرتقالي" يعتقد أن زيارته دمشق حوّلت العلاقة بين لبنان وسوريا إلى "علاقة بين شعبين". كلام لم يقله رئيس الجمهورية ميشال سليمان الآتي إلى الرئاسة بوفاق وتوافق شعبيَين ونيابيَين.
لتأكيد تطابقه مع المنطق البعثي لم ينقص الجنرال سوى ترديد قول الرئيس السوري الأب عن شعب واحد في بلدين. لكن خانته الذاكرة، فاستخدم تعبيراً آخر للمؤدّى ذاته، إذ قال إنه شعر أن "لدى الجماهير السوريّة ردود الفعل نفسها تجاهه كما لو كان في بيروت أو في اي بلدة لبنانية".
لكن الجنرال أحسّ بأن استدارته غير مبرّرة كفاية، برغم كلّ شعاراته الشعبوية، فتوّجها بما لا يقبل به مضيفوه، لو لم يكونوا في حاجة إلى دوره القديم ـ الجديد: اعتبر عهد الإبن قطعاً مع عهد الأب، ورأى أن "الفَرْق كبير. الظروف تغيّرت والتقييم تغيّر والمسؤولون تغيّروا". ولربّما تحسّر الجنرال عندما تكلّمت بثينة شعبان عنه ووصفته بالزعيم الوطني ومنحَته ابعاداً عربياً لم يكتشفها هو يوماً. ومنبع حسرته هو أنها لم تكن في موقع المسؤوليّة في عهد الأب، إذ لربّما كانت شفعت له ورأّسته لبنان. كيف لا وهي فوّضته تمثيل كل الشعب اللبناني، ورأت أن زيارته "تفتح عهداً جديداً بين سوريا ولبنان".
كلام بثينة، وما يماثله مما أّطلق خلال "الزيارة الرعوية البرتقالية" إلى سوريا، لم يكن موجّهاً إلى العامّة، بقدر ما هو رسالة إلى رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة، الذي يبدو أن وطنيّته الصافية لا تُرضي دمشق (كذلك موقفه "المتوازن" بين 14 آذار و8 آذار)،بل وتزعجها، وكادت تبدي الاعتراض على ذلك بتسمية زائرها بـ"سيادة العماد" وهي العبارة التي كُتبت على الدرع الذي قدّمه الرئيس السوري لضيفه المنتفخ حفاوةً.
و"البرتقالي الأوّل" لم يتأخّر في رد التحيّة بأحسن منها، فشكّك بوجود قضيّة المفقودين، وبما "إذا كانوا دخلوا سوريا"، وطبعاً ترك همّهم للحكومة، لمعرفته بأن البحث سيصل إلى طريق مسدودة، وهو لا شكّ يعد نفسه لحملة عليها، في وقت لاحق.
وفي إطار رد التحيّة، رفض الجنرال أن يعتذر النظام السوري عمّا ارتكبه في لبنان، أوّلاً بحجّة الفصل بين عهد الأب وعهد الإبن (وكأن النظام السوري في عهد الإبن تصرّف في لبنان كعناصر الدفاع المدني احتراماً ورعاية) وثانياً بطلب إعتذار اللبنانيين "الذين ارتكبوا إساءات" كأنّه هو نفسه إعتذر عن ارتكاباته وإساءاته، من أموال قصر الشعب (بعبدا) إلى مجزرة الأونيسكو.
وهج اللون البرتقالي الذي استخدمه النظام السوري بإسراف في كل مكان قصده الجنرال، ساهم في علاجه بقوة إلى حدّ آمن بوحدة لبنان وسوريا التي يريدها البعث، حتى قال بعد ترنيمة لمار مارون في قرية براد: "الشجرة التي تقطع من جذورها تموت، ولذلك وجدنا ان المسافة قصيرة وقريبة جداً من هنا إلى جبل لبنان".
زيارة تاريخيّة فعلاً.
لكن بالنسبة إلى الجنرال وحده. إستقبله رئيس النظام السوري ثلاث مرات في خمسة أيام، وتبنّى لأجله اللون البرتقالي، وتذكّرت دمشق مسيحيّيها وأخرجتهم إلى الشارع ومعهم مسيحيّون لاجئون من فلسطين والعراق، عادة لا يتحرّكون من مآويهم إلا بإذن المخابرات. وركب وعائلته وصهره ليس طائرة رئاسيّة واحدة، بل طائرتين.
فعلاً تاريخية، ولا تضارع.
تماماً كطموحات الجنرال الذي افتقد طويلاً من يعالج تطلّعاته.
أعِره كرسيّاً وخذ صوته، فيدهشك.
"النهار"




















