يبدو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما لا يزال مأخوذًا إلى حد كبير بما يسوقه الإسرائيليون من أوصاف مشوشة ومشوهة للفلسطينيين من قبيل "الفلسطينيون يكرهوننا ويريدون إزالة كياننا، وعدم وجود شريك فلسطيني حقيقي"، وهي أوصاف ليست بجديدة.
وإنما كما هو معتاد عن الإسرائيليين، في سياق رفضهم للآخر ورغبتهم في إلغائه، يرفعون مثل هذه الشعارات للتأثير على المواقف التي يرون أنها داعمة للجانب الفلسطيني وقد تشكل ضغطًا عليهم وتمثل لهم إحراجًا لعدم استعدادهم للقبول بأي استحقاق تسووي.
هذا ما يمكن قراءته من خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي باراك أوباما مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وتشديد أوباما لعباس بضرورة تجنب أي إجراءات استفزازية، قد تؤدي إلى تعطيل أو التأثير على المفاوضات غير المباشرة التي يقف وراءها الرئيس الأميركي مؤملًا نفسه بأنه يمكن أن يعيد الأمور إلى نصابها ويعيد قطار السلام إلى سكته، وينجز شيئًا ولو يسيرًا يخلد به اسمه في سجل التاريخ كما فعل أسلافه كرعايتهم لمعاهدات سلام مع دول عربية.
إلا أن أوباما وهو يوصي الفلسطينيين ويحذرهم من أي خطوة استفزازية تجاه حلفائه ومنع ما وصفه بـ"التحريض" ضدهم، لم يعطِ تفسيرًا واضحًا لمعنى الاستفزاز والتحريض، ثم إنه لماذا يوجه التحذير إلى الجانب الفلسطيني دون أترابه الإسرائيليين؟ فهل مثلًا حجر يقذف به فلسطيني على جندي إسرائيلي محتل يساوي هو الاستفزاز أم هو هدم منزل مواطن فلسطيني على رأسه أو طرده من وطنه وأرضه؟ أو يساوي بناء 14 وحدة استيطانية جديدة لقطعان المستوطنين في حي رأس العمود في القدس الشرقية؟ أو مخطط استيطاني جديد لإنشاء مجمع تجاري ضخم في وسط مدينة القدس المحتلة؟
إن العالم جميعه أصبح يعرف أن الاستفزازات بل والانتهاكات الخارجة عن الأعراف الدولية والشرعية يمارسها المحتلون الإسرائيليون وقطعان مستوطنيهم صباح مساء، وأن سكوت وتغاضي الإدارات الأميركية ـ بما فيها إدارة أوباما ـ عن هذه الاستفزازات والانتهاكات، هو ما يعزز تلك النظرة التشاؤمية لدى الرافضين لانطلاق المفاوضات غير المباشرة.
والتي يعتقد كثير من الفلسطينيين والعرب أن الإسرائيليين يريدون توظيفها لحماية أمنهم وتحويل الفلسطينيين أدوات للقيام بهذه المهمة والتغطية على سياستهم الاستيطانية.
إن طبيعة التحذير "الأوبامي" تثير نوعًا من التوجس من حيث إنه سوف يكون مشجعًا للإسرائيليين على جر الفلسطينيين إلى استفزاز حسب الاصطلاح "الأوبامي"، وما أسهل أن يبتدع الإسرائيليون بأساليبهم الماكرة تمثيلية يسوقونها على أنها استفزاز، وخاصة عندما يجدون أنفسهم في مرحلة ما من المفاوضات تسمح لهم بابتداع التمثيلية الاستفزازية، لذلك فإن كل المحاذير واردة في هذه المرحلة وكل الجهود العربية مطلوبة، إلى جانب جهود اللجنة الرباعية الدولية التي رحبت بالمفاوضات غير المباشرة واعتبرتها أنها مهمة تقود إلى سلام شامل.
إن المطلوب من الرئيس الأميركي باراك أوباما وإدارته أن يقفا على مسافة واحدة من طرفي الصراع، وأن يدركا أن التسوية السلمية للصراع مطلب فلسطيني وعربي حقيقي، لأن هؤلاء هم المتضررون الوحيدون من استمرار الوضع الراهن، على العكس من الإسرائيلين المحتلين للأرض والمغتصبين للحقوق، وإلا فإن هذا التمييز سيعتبر رسائل غير مطمئنة قد يستغلها الإسرائيليون ويحرفون القطار مجددًا عن سكته، ويتحول الاستفزاز إلى ابتزاز.
الوطن




















