رام الله – من محمد هواش
لا خلاف فلسطينياً على السمات العنصرية لتصريحات وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني حيال مستقبل عرب 1948 وتحقيق تطلعاتهم الوطنية في الدولة الفلسطينية العتيدة. ولا خلاف ايضا على قوة التسعير العنصرية في الحملة الانتخابية الاسرائيلية وتجلياتها في احتلال اصحاب هذا التيار اماكن متقدمة وبارزة في الانتخابات الداخلية لترتيب مرشحي حزب" الليكود" اليميني الى الكنيست. واضطرار رئيس الحزب بنيامين نتنياهو الى استخدام صلاحيات استثنائية وغير ديموقراطية لإقصاء بعض الرموز الصارخة لهذا التيار من واجهة الحزب ومن المقاعد المضمونة لمرشحيه الى الكنيست. خشية ان يعطي انطباعاً، وهو النجم الصاعد في استطلاعات الرأي لتولي منصب رئاسة الحكومة المقبلة، ان اسرائيل في عهده دولة عنصرية، وان فريقه للحكم هو مزيج من العنصريين ومن العسكريين المتهمين بارتكاب جرائم حرب. والخوف من ان تؤثر هذه الصورة على قرار العائلات الاقتصادية الكبيرة في اسرائيل لتغيير اتجاهات التصويت في الانتخابات وحرمان "الليكود" الامل في تولي الحكم بعد سنوات من المعارضة.
ولا خلاف ايضا على ان هذه التجليات العنصرية في الحياة السياسية الاسرائيلية هي المركب السحري لفكرة الاحتلال ولفكرة مواصلة الاحتلال ايضا، ومقاومة أي اتجاه لانهائه. وربما امكن القول انه كلما ارتفع صوت الداعين الى انهاء الاحتلال حلا لمشكلات داخلية اسرائيلية تتعلق بالهوية والمستقبل، وكلما تحول الاتجاه الدولي والاقليمي لانهاء القضية الفلسطينية الى خطوات عمل واقتراحات بصرف النظر عن قوتها وامكان نجاحها، كلما ارتفعت نغمة العنصرية في اصوات الاسرائيليين الداعين الى منع اقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل، وكذا في اصوات الداعين بقوة الى حل الدولتين مثل رئيسة حزب "كاديما" الحاكم تسيبي ليفني مع "رشّة ملح" عنصرية موروثة من سيرة يمينية كانت الى وقت قريب جزءاً من معسكر "ارض اسرائيل الكاملة" قبل ان يحطمه رئيس الوزراء السابق ارييل شارون بموافقته على حل الدولتين الذي صار خطة دولية لحل اقترحه الرئيس الاميركي جورج بوش ولم يقم بما يلزم لتطبيقه. وقبل ان يتحطم ايضا بتفكيك الاستيطان في قطاع غزة. وربما قبله بقليل عندما وقع نتنياهو من موقعه في رئاسة الحكومة "بروتوكول الخليل" وسحب الجيش الاسرائيلي من ثلثي مساحة المدينة وسلمها الى السلطة الفلسطينية وبعده اتفاق "واي ريفر" الذي حول مساحة المنطقة التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية من 11 بالمائة فقط الى 42 في المائة من مساحة الضفة الغربية. من دون ان يعني ذلك ان هذه التقسيمات تساوي الحقوق الفلسطينية في الضفة الغربية.
قوة تصريحات ليفني حيال عرب 48 تنبع في جانب منها من قوة المسار نحو حل الدولتين. لا من قوة مسار الدولة الواحدة بين النهر والبحر، وعقيدة التهجير القسري مرتبطة بحل الدولة الواحدة لا بحل الدولتين. لذا فالجزء المهم من تصريح رئيسة الحزب الحاكم يكمن في التأكيد على مسار الدولتين. ولا اوهام فلسطينية عن ردم قريب للهوة بين الاقوال والافعال الاسرائيلية. وفي تصريحات رئيس الحكومة الاسرائيلي المستقيل ايهود اولمرت عن انهاء الاحتلال مثل مهم لتلك الهوة.
ليفني الحائرة اليوم في الحملة الانتخابية بين محاكاة اليمين الذي تربت في احضانه، والوسط الذي يُلزمها تحقيق رؤية الدولتين حلاً لمشكلات هوية اسرائيل اليهودية، قفزت الى شرح فكرة التطلعات الوطنية لعرب اسرائيل في دولة فلسطينية، فأخطأت مرتين، اولا في انها لم تدفع كفاية من موقعها القيادي في الحزب الحاكم الى تجسيد حل الدولتين الذي يبدأ بانهاء الاحتلال والتخلي عن احلام وامتياز واحتكار الحق في السيطرة على شعب آخر وعلى ارضه ومستقبله. والثاني عندما تتحدث عن دولة "يهودية ديموقراطية"، لتسقط في مستنقع عنصري اذ تتحدث عن تطلعات 20% من سكان الدولة وهم السكان الاصليون غير المهاجرين، في دولة اخرى لم تقم بعد، ومن المشكوك فيه ان ترى النور قريبا. ولم تسعف ليفني توضيحاتها بأنها لا تقصد اطلاقاً ترحيل العرب من الدولة، ولكنها تتحدث عن تطلعات هي مجرد تطلعات وطنية لهم في الدولة الفلسطينية.
التسعير اليميني والعنصري الذي يطلقه فريق حزب "الليكود" الى الكنيست المقبلة لا يأخذ اصحابه فقط الى التلويح بترحيل، هادئ او صاخب، للفلسطينيين، بل الى وقوع الاسرائيليين من كل الاطياف السياسية ومن ضمنهم ليفني وغيرها في الاثم المتكرر للاحتلال والذي لا يمحوه الندم بل اعمال التوبة.
"النهار"




















