إدارة المعركة الدبلوماسية بين أقطاب غير متعادلين بالنفوذ والتجربة، وامتلاك وسائل الضغط، غالباً ما تُسقط صاحب النفَس القصير، وإيران استطاعت التلاعب بالفرقاء الدوليين في مواجهات ساخنة مستفيدة من عامل الوقت ، وتناقضات ورغبات ومصالح الدول الأعضاء في مجلس الأمن..
البرازيل وتركيا دخلتا على خط الدبلوماسية الهادئة، وقد حصلتا من إيران على اتفاق حول التخصيب أرضى شعبها وقوّى نفوذ مؤيديها، وأربك معارضيها، وهذه الحذاقة في التصرف سوف تغلّ يد إسرائيل عن أي تصرف، وترفع عنها العقوبات بسبب انقسامات بدأت تظهر مع إذاعة أول نبأ عن الاتفاق..
يُحتمل أن تنظر أوروبا وأمريكا بريبة إلى هذا الاتفاق، وطبعاً لا يمكن خداعهما بنصف حلول لهدنة مؤقتة إذا ما تبين أن إيران سلّمت بما كان مرفوضاً للوسيطين التركي والبرازيلي، ولذلك شهدنا كيف تباينت الآراء والتصريحات عندما رأى البعض أنها غير ملزمة لهم ، وآخرون لا يقرّونها إلا من خلال فحص واتفاق مع وكالة الطاقة الذرية الدولية، وفريق ثالث يقول إنها لا تفي بالغرض المطلوب، إلا أن العقوبات التي كاد أن يصدر بها قرار دولي ستوقف انتظاراً للنتائج، والمؤلم للغرب أن الثقة التي أعطيت للوسيطين، وإن جاءت ملبية لمطالبه، إلا أن انتزاع قرار ملزم بحصول إيران على وقود مخصب مقابل وقود منخفض التخصيب سيكون في ذمة تركيا والتي لم تحصل على هذا الاتفاق إلا بالضمانات..
إيران أعطت نصف ما تريد، وهي مناورة ذكية حصلت بموجبها على ما تريد وعلى افتراض أنها ناورت، وفقاً للرأي الغربي وتقاربت مع روسيا والصين، فقد أحدثت اختراقاً بين هذه المجاميع، وقد أعطت درساً للمفاوض طويل النفس وقد عززت موقفها بمفاجأة لم يكن أكثر المتفائلين حتى من الوسيطين إقناعها بهذا الحل..
إسرائيل هي الخاسر الأكبر طالما ظل رهانها على التصلب الإيراني، بأنه سوف يوسع الخيارات من الضغوط السياسية، إلى العقوبات، وأخيراً اختيار الضربة العسكرية وتوقيتها ، لكن هل زال الخطر الإيراني حول محيطها العربي، والآسيوي الذي ظل مقلقاً لأن النوايا لم تتضح أمام كبرياء القوة؟ ومع أن فتح النوافذ لحوارات جادة تبعد أوهام الأطماع وبناء الامبراطوريات التاريخية وفق منظور ديني أعطاها الوعد المطلق بالسيادة على المنطقة حتى يظهر الإمام المنتظر، يعتبراً خلطاً بين الواقعي والخيالي، والممكن والمستحيل، وما لم تجد إيران حلولاً لرؤيتها الأحادية التي بنتها على مبدأ القوة، فإن أي خطأ في التقدير سيجعل المواجهة مع العالم كله، وخاصة من يحمون مصالحهم أو ما يرونه أمنهم التاريخي..
وبقدر ما نجحت إيران في المواجهة إلا أن النتائج لا تُبنى على المظاهر، لأن أي ارتداد بأي دعوى عن الالتزامات التي أعطتها للوسيطين، سوف ينهي ذرائع الشد والجذب إلى اتخاذ القرارات الصعبة، وهو الرهان الثاني لمعارضيها ممن يتوقعون انقلابها على ما وعدت به شأن ما حدث في واقعة سابقة..
الرياض




















