ما الذي سيقوله الإسرائيليون حين يصلون إلى الدرجة التي يشككون فيها بقدرة دولتهم على تحويل المعادلات في نظام الأمن الإقليمي؟
أكثر القول السياسي في إسرائيل، ينحو في الإجابة على السؤال منحى غير متفائل. ذلك أنه المؤدى الإجمالي للحالة الإسرائيلية، بعد أكثر من ستة عقود على قيامها ـ ظهورها فوق سيل عارم من الأسئلة القلقة.
فالدولة التي شهد لها العالم بقدرتها على صناعة الحقائق الاستراتيجية، هي اليوم بلا رؤية استراتيجية. والذين ينبرون إلى مثل هذا القول هم الإسرائيليون أنفسهم، لا سيما أولئك الذين يقرأون الصورة الممتلئة بالضباب، فلا يجدون من مكانة الدولة التي اطمأنوا إليها زمناً مديداً، سوى الخوف من وهن يتضاعف يوماً إثر يوم.
لا شيء في الصورة الإسرائيلية، على ما يبدو، ينبئ بإمكان العبور من وادي الأزمات المفتوحة. فلو نظرنا إلى القسمات العامة لتلك الصورة، لوجدنا أن ثمة مستحيلين يشيران نحو درجة لافتة من الاستعصاء:
الأول؛ استحالة إجراء سلام مع العرب، من دون المغامرة بتنازلات ينظر إليها اليمين الصهيوني على أنها المستهل الفعلي لنهاية حزام الأمن التاريخي المحيط بالدولة اليهودية.
الثاني؛ استحالة المخاطرة بحرب إقليمية جديدة، من شأنها أن تعيد ترميم نظرية التفوق العسكري لدولة إسرائيل في المنطقة.
مع هذين المستحيلين اللذين يترسخان يوماً بعد يوم، وتبعاً لشروط منظومات الأمن التي حلَت على الشرق الأوسط بعد الحادي عشر من سبتمبر2001، تدخل إسرائيل في ما يشبه ستاتيكو «انتظار الأمل». ونعني بذلك، الأمل بإمكان حدوث جيولوجيا سياسية تلقي بمنظومة الصراع العربي/ الإسرائيلي مرة أخرى، تحت سطوة القبضة الإسرائيلية الضاربة.
ربما للمرة الأولى بعد اثنين وستين عاماً من نشوء الدولة اليهودية، يبدو التفكير الإسرائيلي مستظلاً بخوف وجودي. ولسوف نرى إلى الوقائع ـ كما يجري تظهيرها في الخطاب اليومي لهذا التفكير ـ باعتبارها مزيجاً مركباً بين النقد الصارم لأداء فريق نتنياهو، والخوف من مستقبل غير مأمون.
كثيرون من الكتّاب والخبراء ومستشاري الحكومة، يتحدثون عن فترة تاريخية كئيبة. وهو ما ذهب إليه الباحث يوئيل ماركوس (هآرتس 16/4/2010) حين رأى أن إجمالي السنة الـ 62 للاستقلال الكئيب، هو فراغ في القيادة التاريخية لإسرائيل، حيث الاستغراق في الفساد والوهن.
وبالتالي غياب الحد الأدنى من الإجماع القومي. كل هذا، في الوقت الذي لا تزال تشتعل فيه المنازعة بين إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وذهنيات الفريق الحكومي الذي يقوده بنيامين نتنياهو.
مع ذلك فإن الخشية الكبرى في الهواجس التي تلقي بثقلها على التفكير الإسرائيلي، هي التلازم الحاصل بين الشعور بالتهديد الخارجي من جهة، وفقدان قاعدة الإجماع القومي في الداخل من جهة ثانية.
وهذان العاملان يكفيان في رأي الناظرين إلى تلك الهواجس، لكي تتحول إسرائيل إلى دولة مجردة من الرؤية الاستراتيجية. أو في أقل تقدير، دولة تعيش مأزق وضوح الرؤية، وسط ضباب كثيف يخيّم على المنطقة بأكملها.
قبل بضعة أسابيع، كان على نتنياهو أن يدق النفير أمام أكثر من ثمانية آلاف من الكوادر اليهودية حضروا مؤتمر «الإيباك» في واشنطن. يومها بدا رئيس الوزراء الإسرائيلي كما لو أنه «يطِيِّر» برقيات عاجلة تنذر بالخطر المحدق بدولة اليهود. ومن قرأ ما حواه الخطاب، سيرى كيف كانت الميتافيزيقا السياسية حاضرة فيه ومهيمنة عليه.
لقد ضرب نتنياهو على أوتار الحساسية اليهودية الأصلية، ثم ليرفع من منسوب العنصر الديني التاريخي عبر استعادة ميثولوجية لموقعية القدس في ذاكرة اليهود، مؤكداً أن المدينة المقدسة ليست مجرد مكان استيطانيً عادي، بقدر ما هي عاصمة أبدية لإسرائيل.
يومها أيضاً، ذكّر نتنياهو الجميع بالمهمة الاستراتيجية الأصلية لإسرائيل، عندما كانت قاعدة متقدمة ضد الشيوعية الدولية في الماضي، وضد الإسلام الراديكالي في الحاضر. مثلما أشار بتوكيد خاص، إلى ما تختزنه هذه المهمة المتمادية في الزمن، من دلالات جيوستراتيجية تتعلق بحماية مصادر الطاقة، وإعاقة المشروع النووي الإيراني، وتصفية قواعد الإرهاب الأصولي…
لم يكن أمام نتنياهو وهو يعبر مخاض العام الثاني والستين لقيام الدولة، إلاّ أن يستأنف مقاصد شريعتها السياسية الأولى. غير أن كثيرين من الإسرائيليين، ممن لم ينطلِ عليهم التوظيف الإيديولوجي لخطبة نتنياهو، عادوا إلى تشاؤمهم من جدوى استئناف الكلام على تلك المقاصد.
ذلك أن التحولات التي طرأت على فهم يهود أميركا والعالم لمنطق النزاعات، باتت تتعدى ما هو مألوف في الثقافة السياسية الإسرائيلية. ولعل السيل العارم من النقد الذي يعصف اليوم بسياسات نتنياهو، إنما هو ترجمة أولية لتحولات قد لا تتوقف تداعياتها في المقبل المنظور.
إنه اضطراب عميق في الرؤية، لكنه من ذلك النوع غير المعتاد في مجال صناعة الاستراتيجيات العليا في إسرائيل، الشيء الذي يجعل الخروج الإسرائيلي من الدائرة الرمادية، أمراً يدنو من درجة الاستحالة.
باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»
mahmoudhaidar327@gmail.com
"البيان"




















