أغرب ما في بعض السياسيين اللبنانيين ان تشكيكهم بكل شيء ولا سيما بكل خطوة ايجابية يقوم بها مرجع لبناني، يخلق نوعاً من عدم الثقة بهذا البلد وبالإدارة السياسية فيه، وهذا المنحى لا يُساعد على الإستقرار لأنه يُحبط كل خطوة إيجابية يشهدها لبنان.
مثالٌ على ذلك كيفية تعاطي بعض السياسيين مع زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لدمشق، فصلت بين الزيارة الأولى والزيارة الثانية نحو خمسة أشهر، قبل الزيارة الأولى قيل إنها لن تتم، لكن بعدما تمت بدأ التشكيك بنتائجها ثمَّ تشعَّب التشكيك ليتحدَّث عن ان الرئيس الحريري لم يلتزم الإتفاق السياسي الذي تمَّ التوصل إليه، وان دمشق غاضبة حيناً وعاتبة حيناً آخر وغير راضية في كلِّ الأحيان.
تمت الزيارة الثانية فراكمت نجاحات الزيارة الأولى، فهل سيبقى التشكيك?
والسؤال الثاني الذي يطرحه المراقبون هو:
بماذا يفيد التشكيك؟
لقد تجاوزت العلاقات اللبنانية – السورية قطوعات كثيرة وجراحات أكثر، لكن بعد الزيارة الأولى ثم الثانية وبعد الإتصالات المباشرة بين الرئيس الأسد والرئيس الحريري، فإن هذه العلاقات تسير في الإتجاه الصحيح وإن شابها بعض البطء أحياناً.
الأهم من كل ذلك ان هذه العلاقة صارت واضحة ومن دولة إلى دولة وربما هذا التطور هو الذي يُزعج البعض لأنه يريد لهذه العلاقة أن تعود كما كانت، وهو ما لا ترتضيه الدولتان والحكومتان.
ثم ان ما يحث على أن تكون العلاقات ممتازة بين لبنان وسوريا، ليس الملف السياسي فقط بل كل الملفات التي يُفتَرَض أن تكون موجودة بين بلدَين تربطهما، جغرافياً، حدود مشتركة، وأحياناً متداخلة، وتربطهما، تاريخياً، علاقات استراتيجية، واقتصادياً يُشكِّل كلُّ بلدٍ بالنسبة إلى الآخر شرياناً حيوياً، فالتبادُل التجاري بين البلدَين حيويٌ جداً واليد العاملة السورية في لبنان حاضرة في كل القطاعات، الزراعية والصناعية والعمرانية، ويندر أن نجد قطاعاً غير موجودة فيه يد عاملة سورية.
هكذا، بين التشكيك السياسي والضرورات الحيوية على كل المستويات، تبدو العلاقات اللبنانية – السورية قدراً محتوماً، ولأنها كذلك فلا بد من تطويرها في هذا الإتجاه.
ان هذه الحقيقة يُدركها جيداً رئيس الحكومة سعد الحريري، وهو لا يكتفي بهذا الإدراك بل يعمل في هذا الإتجاه، وما زيارته لدمشق عشية زيارته لواشنطن، سوى حلقة من حلقات التنسيق بين البلدَين.
فكما ان دمشق هي عنصر استقرار بالنسبة إلى لبنان، كذلك فإن لبنان هو عنصر (ترييح) بالنسبة إلى دمشق، فلا علاقات تُسبِّب (نقزة) لسوريا.
هذه النقطة واضحة ومفهومة ولا تحتاج إلى دروس لا من سياسيين متضررين ولا من شخصيات هامشية تحاول البروز من خلال الحديث بهذا الموضوع.




















