في الوقت الذي يختتم فيه المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل جولته الجديدة من المحادثات مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، يدور الحديث داخل الكيان الإسرائيلي عن أن ما يسمى قيادة الجبهة الداخلية في جيش الاحتلال تعمل على وضع خطة مفصلة لتنظيم عملية إخلاء واسعة للسكان المدنيين في المناطق المعرضة للهجوم في حال نشبت حرب. ومن المنتظر أن يتم التطبيق العملي لهذه الخطة المسماة "نقطة تحول" الأسبوع القادم.
وهذا في الحقيقة يشي بأن الإسرائيليين يجهزون ويعدون لعدوان جديد واسع النطاق يتجاوز مديات أبعد، يمكن أن يستشف من سيناريوهات العدوان الجديد والتي تتضمن سقوط كميات هائلة من الصواريخ، تصل إلى آلاف الصواريخ على أراضي الكيان، وأن الاستعدادات تجري لاستيعاب مئات الآلاف من الهاربين من مناطق القصف، الذين 70% منهم سوف يتدبرون أمورهم لدى أقاربهم أو معارفهم أو في الفنادق، وأن على حكومة الكيان أن تقدم المساعدة لـ30% منهم.
وما يزيد الشكوك التصريحات الواردة من دمشق وعلى لسان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان أمس الذي قال فيها إن هناك قضايا كثيرة مهمة يجب التحاور فيها مع سوريا، سواء ما يتعلق بالأمن في المنطقة أو نقل الأسلحة أو الانتشار النووي، واصفًا هذه القضايا بأنها خطيرة جدًّا جدًّا كقضية السلام الشامل، مدعيًا أن الرئيس السوري بشار الأسد يتخذ قرارات يمكن أن تؤثر على أمن المنطقة بعد حديثه إلى كل من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وحسن نصرالله الأمين العام لحزب الله اللبناني.
وما يمكن أن يفهم من هذه التصريحات أن المسؤولين الأميركيين مسحورون حتى النخاع بالدعاية الإسرائيلية الكاذبة حول مزاعم نقل دمشق صواريخ وأسلحة إلى المقاومة اللبنانية، وبالتالي فإن جهودهم تتساوق تمامًا مع الرغبة الإسرائيلية، في منع سوريا من مساندة المقاومة اللبنانية والفصائل الفلسطينية وفك ارتباطها مع طهران.
وما يغذي هذه الشكوك أيضًا مطالبة الرئيس الأميركي باراك أوباما الكونجرس الأميركي بتخصيص مبلغ 205 ملايين لنشر منظومة ردع صاروخية على الأراضي الإسرائيلية، الأمر الذي يشي بأن أوباما بدأ يفقد بوصلة التوجيه، وينظر إلى الشرق الأوسط برمته بعين إسرائيلية تمامًا.
حتى لو سلمنا جدلًا أن الهدف من هذه المطالبة الأوبامية هو تليين الموقف الإسرائيلي من المفاوضات غير المباشرة الجارية، والتوقف عن الاستفزازات الإسرائيلية المستمرة والتي لا يريد أن ينتقدها أو يتحدث عنها تصريحًا أو تلميحًا، وتمكنه من إنجاز رؤيته لتحقيق السلام، فإن المنطق يتطلب أن يتم توظيف الأوهام والمزاعم الإسرائيلية حول ما يسمى تهديدات حزب الله وحماس وإيران كعنصر ضغط على الإسرائيليين لإقناعهم بأن السبيل الوحيد للتخلص من هذه الأوهام هو التسليم الكامل برؤية حل الدولتين والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة.
لذلك فإن هذه الملايين في يقيننا ستكون عاملًا مشجعًا على التعنت الإسرائيلي، وتعطي معاني عكسية ومغايرة وتضعف موقف الإدارة الأميركية نحو رؤيتها حول السلام، بحيث يتم تفسيرها إسرائيليًّا على أنها خنوع وخضوع أميركي للإرادة الإسرائيلية، وقد يذهب التفسير إلى ما هو أبعد من ذلك فيتم النظر إليها على أنها ضوء أميركي لشن عدوان في أي اتجاه، سواء باتجاه سوريا أو لبنان أو الاثنين معًا، ولعل هذا ما يفسر ما ذكرناه آنفًا عن الخطة الواسعة لعمليات الإخلاء في إطار سيناريوهات عدوان واسع النطاق.
إن الرضوخ لصوت الحكمة والعقل مطلوب وخصوصًا من جانب الرئيس الأميركي باراك أوباما وأركان إدارته وعدم الاندفاع وراء الجنون والحماقة الإسرائيلية وإدخال المنطقة في أتون حروب بالتأكيد لن تقتصر على الأطراف ذات العلاقة أولًا، وثانيًا لا أحد يعلم ما سيجره الإسرائيليون على كيانهم من أضرار، وهذا ما يجب أن يلقنه الأميركيون حلفاءهم الإسرائيليين، فالنار ستحرق الجميع بمن فيهم الإسرائيليون، ولا يطفيها إلا السلام العادل والدائم والذي هو مطلب كل القوى المحبة للسلام والاستقرار في المنطقة والعالم وفي المقدمة الشعب الفلسطيني الذي يكابد في ظل الاحتلال العنصري الإسرائيلي.
الوطن – سلطنة عمان




















