[ الكتاب: تهويد القدس
[ الكاتب: أنور محمود زناتي
[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2010
منذ احتلت "اسرائيل" القدس الشرقية ودمجتها بالقدس الغربية، لتصبح مدينة متوحدة تعتبرها "عاصمتها التاريخية" ورغم كل النداءات و"الصراخ الفلسطيني" ظلت اسرائيل غير آبهة بكل ذلك، وماضية بنشاط في تهويد المدينة، بحيث يصبح من الصعب فصل جزءيها اذا ما أرغم المجتمع الدولي على اعادة الجزء الشرقي الى الدولة الفلسطينية الحلم، حلم صعب التحقيق على المدى المنظور.
وقد صدر كتاب عن مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان: "تهويد القدس" محاولات التهويد والتصدي لها من واقع النصوص والوثائق والاحصاءات، تأليف أنور محمود زناتي. وقد هدف الكاتب الى تقديم وصف واقعي يستند الى أوثق المصادر الاحصائية المتوافرة وتفنيد بعض الروايات المضللة. وكما نعرف ان المخططات الاسرائيلية جهدت دون توقف بمؤامرات عديدة، ومحاولات مستمرة لتزوير هوية العاصمة الدينية والتاريخية والسياسية والاقتصادية لعرب فلسطين ومسلميها، وقد بدأت هذه المخططات الاسرائيلية بعمل حفريات تحت المسجد الأقصى، وبناء الكنس اليهودية، ومحاولات عدة لحرق وهدم المسجد واجتياحه، وحتى "تهويد السكان" عن طريق طرد العرب من المدينة، واستقدام يهود آخرين لتغليب تعداد اليهود فيها، ومروراً بـ.. تهويد ملامح المدينة.. عن طريق هدم المنازل وردم الآثار الاسلامية، وبناء المستوطنات على أنقاضها. كل ذلك تم بطريقة منظمة ومتوالية. بداية من ازالة وتهويد حي المغاربة عام 1967 وترحيل أهله، وكذلك مسجد حي الشرف في نفس العام، وخطتهم تحويل المسجد الى كنيس، وكما في مسجد النبي داود، حيث أقدمت سلطات الاحتلال الى احداث تغيير في معالم المسجد. الى جانب ازالتها للكتابات القرآنية والزخارف، وسرقة التحف الفنية والأثرية التي كانت موجودة فيه.
وهناك نمط آخر من أنماط التزوير والطمس، وذلك بتحويل جزء من المسجد الى كنيس. كما حدث في مسجد النبي صموئيل شمال غرب القدس، وكذلك كما حدث في مسجد خليل الرحمن. وتحاول سلطة الاحتلال الآن ازالة المسجد والمقام نهائياً، كما حدث أيضاً في قرية "صريحة" المدمرة غرب القدس.
وتتعرض المدينة بصفة عامة، والمسجد الأقصى بصفة خاصة، لاعتداءات يومية من قبل الاحتلال ومن أشهر هذه الاعتداءات السيطرة على حائط البُراق وتحويله الى ما يسمى "حائط المبكى" وهذا الحائط ليس "مكاناً مقدساً" عند كل اليهود، فاليهود الأرثوذكس بصفة عامة، واتباع فرقة ناطوري كارتا بصفة خاصة، لا يرتادونه، اما اليهود الأكثر ارتياداً له فهم من اتباع فرقة القابلاه الذين لا يرتادونه لأنه مكان مقدس، بل لأنه قريب من هيكلهم المزعوم. ولأنهم يعتقدون ان الصلاة تصل الى الله بسرعة أعلى كلما قرب مكان اقامتها من الهيكل المزعوم.
وتقول د. كاتلين كينون، مديرة الآثار البريطانية في القدس، وأستاذة علم الآثار في جامعة اكسفورد: "ان عملية الحفريات الاسرائيلية التي تجريها اسرائيل حول الحرم القدسي لهي أبشع حفريات لتدمير التاريخ القديم، وان اتلاف البنية الاسلامية التي بنيت في القرون الوسطى جريمة كبرى. ولا يعقل أن يتم تشويه الآثار بمثل هذه الحفريات". وكان التسامح الاسلامي هو الذي مكّن اليهود من الصلاة أمام هذا الحائط.
وقد تبنت الحكومة الاسرائيلية سياسة تهويد مدينة القدس عبر سلسلة من الاجراءات والاعتداءات ضد أهل المدينة، وضد الأماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية على حد سواء. حتى انه لم تبقَ حارة أو زاوية في القدس الا وتعرضت للحفريات. وعندما تكتشف أي آثار اسلامية كانت تلقى الاهمال والضياع والتدمير ولا يتم توثيقها وتبتدع من أجل طمسها ذرائع مختلفة. وكان من أهم وأخطر تلك الانتهاكات والاعتداءات الشروع في تنفيذ مخططات الحفريات تحت أساسات البلدة القديمة والأماكن المقدسة، بحجة الكشف عن التاريخ اليهودي وهيكل سليمان. ولكن الهدف الحقيقي لهذه الحفريات كان تصديع بنايات الأماكن المقدسة والأماكن الدينية، والتسبب في انهيارها وطمس معالمها وتهويدها. والمخطط جار حالياً لابتلاع بقية الأحياء العربية تحت مسميات "الحوض المقدس" والمخطط الهيكلي لمدينة القدس للفترة من عام 2000 الى عام 2020 لتصبح المدينة كما رآها "الآباء" قبل 3000 عام. وقد عبّر عن هذه العنصرية صراحة المهندس مستشار بلدية الاحتلال في بداية السبعينيات عندما رفض في حينه عرض المواطنين في سلوان، وبالذات منطقة حي البستان بقوله: "نحن نبحث عن تسعين عاماً قبل الميلاد".
ان قضية القدس أصبحت الآن في خط الدفاع الأخير، أو ربع الساعة الأخير، فقد بقي بيد العرب 14 بالمئة، والكتل الاستيطانية التهويدية تحتل 32 بالمئة والباقي 54 بالمئة تحت سقف وسيف الاستيطان الاستعماري الصهيوني.
لقد نجحت الصهيونية في الاستيلاء على الأرض حتى الآن، وفصلت أهلها عنها وشتتهم في أنحاء الأرض في ما يمكن وصفه بالابادة الجغرافية. والسؤال الآن: هل تنجح في القضاء على الشعب الفلسطيني؟ هذا ما سوف يتحدث عنه المستقبل.
مراجعة ياسين رفاعية
"المستقبل"




















