لا يزال "تطبيع" العلاقة بين سوريا والولايات المتحدة في بدايته رغم القرار الذي اتخذه رئيس الثانية باراك اوباما بالانخراط في حوار جدي مع القيادة السياسية السورية ورغم التمهيد المهم الذي قام به تحقيقاً لهذا الهدف منذ دخوله البيت الابيض قبل سنة وبضعة أشهر. وأبرز عناصر التمهيد كان تشجيعه قيام وفود من النواب والشيوخ الاميركيين بزيارة دمشق والبحث مع المسؤولين فيها الاوضاع الاقليمية الصعبة وفي وسائل ازالة صعوبتها. وكان أبرزها ايضاً اتخاذه قراراً بإعادة سفير لبلاده إلى دمشق بعد خمس سنوات من اكتفاء اميركا بعلاقات ديبلوماسية مع سوريا على مستوى قائم بالأعمال.
ويخشى عدد من متابعي تطور التطبيع المشار اليه ومشجعيه في آن واحد ان ينعكس التعثر الذي يواجهه ارسال السفير الاميركي الجديد المعيَّن لدى سوريا الى دمشق في الكونغرس بمجلسيه مزيداً من السلبية على العلاقة بين دولة اقليمية مهمة جداً هي سوريا والدولة الأعظم في عالم اليوم رغم عثراتها الكثيرة المعروفة وخصوصاً في الشرق الأوسط هي اميركا. وما يخشونه تحديداً هو عودة شبه الانقطاع بينهما رغم استمرار الوجود الديبلوماسي في عاصمتيهما، اي عودة الحال الى ما كانت عليه قبل وصول اوباما الى الرئاسة.
هل الخشية المذكورة في محلها؟
المعلومات الواردة من دمشق الى عدد من المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة تشير وبشيء من الثقة والجزم الى ان الاتصال بين البعثة الديبلوماسية الاميركية في دمشق وبين المسؤولين السوريين مقطوعة أو تكاد أن تكون مقطوعة. إلاّ أن المعلومات نفسها تشير وبكثير من الجزم الى ان انزعاج القيادة السورية من البطء المتعمّد في اجراءات تثبيت السفير الاميركي الجديد لديها والناجم عن مواقف سياسية معادية لها من الحزب الجمهوري، والى ان عدم ارتياحها الى تجديد الرئيس اوباما وللمرة الثانية في ولايته العقوبات المفروضة على سوريا، تشير الى ان ذلك كله لن يدفع هذه القيادة الى مواقف سلبية قبل وقف الحوار أو بالأحرى قطع الطريق على انطلاقه. ذلك انها تريد صادقة التوصل الى نوع من التفاهم مع اميركا. لكنها تختلف معها على تفاصيل هذا التفاهم كما على الطريق أو بالأحرى الطرق الواجب سلوكها للتوصل اليه. وفضلاً عن انها تعرف معاناة باراك مع اللوبي المؤيد لاسرائيل في اميركا ومع الحزب الجمهوري المعارض الذي يخوض معركة اعادة تأهيل لذاته بعد خسائره الكبيرة قبل نحو سنة وبضعة أشهر وتتفهمها، علماً ان ذلك لا يعني على الاطلاق ان القيادة السورية ستبقى منتظرة الى ما لا نهاية ترجمة عملية لمواقف اوباما "الايجابية". وعلماً ايضاً ان الانتظار لا يُضيرها لأنه لا يفرض عليها تغيير مواقفها التي تزعج اميركا وحلفائها في المنطقة، أشقاء كانوا أو أعداء. وابرزها "تطوير" تحالفها الاستراتيجي مع ايران الاسلامية "صاحبة" المشكلات مع أميركا والمجتمع الدولي، واستمرار دعمها لـ"حزب الله"، وعدم اعاقة حصوله على الأسلحة التي يحتاج اليها، وعدم التخلي عن "حماس" الفلسطينية، واستمرار توفير ملاذٍ آمنٍ لقيادتها في دمشق وكل انواع الدعم الذي تجد نفسها في حاجة اليه.
هل تستطيع سوريا الاستمرار في موقف "الدلال" على أميركا واسرائيل عدوتها والمجتمع الدولي وحتى على اشقائها العرب؟ ويعني"الدلال" استمرار الاعتماد على تلاقي المصالح بينها وبين اسرائيل من دون أي تحالف او اتصال معها واستمرار الاعتماد على تمسك اميركا واسرائيل ودول عربية – وانْ مناوئة لسوريا – بالنظام الحاكم فيها ورفض اي عمل يؤدي الى زعزعته وذلك رغم سلبيتها المستمرة حيال قضايا تهم اميركا وحلفائها العرب وحليفتها اسرائيل؟
المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة تجيب بالقول ان أحد أبرز أسباب تلاقي المصالح المشار اليه هو الخوف من وصول نظام سني أصولي متطرّف ومكفِّر الى السلطة في سوريا لا بد من ان يشكل خطراً كبيراً على اسرائيل مشابهاً لخطر ايران عليها رغم بُعدها آلاف الأميال عنها. وبالقول ايضاً ان تساهل أميركا مع النظام السوري كانت مصالحها وراءه وكذلك تلاقي المصالح المذكور. لكنها تضيف ان مناخاً بدأ يتكوّن في اسرائيل وتحديداً داخل كل مؤسساتها السياسية والمدنية والعسكرية والامنية يفيد ان سوريا الاسد افادت من تلاقي المصالح هذا لتعزيز وضعها لكنها ساهمت في الوقت نفسه بالتحول مباشرة وعبر حلفائها وفي مقدمهم ايران و"حزب الله" خطراً كبيراً على دولة اسرائيل. وهي لن تتساهل حيال هذا الأمر وخصوصاً اذا لم يضع السوريون حداً له. وذلك يعني ايصال النظام في سوريا، بالحرب أو بأي وسيلة أخرى، الى مأزق الاستهداف اسرائيلياً، وربما اميركياً. والخطر الذي قد يحدثه ذلك على الصعيد الاقليمي قد يكون على الأقل في بدايته اقل من الخطر الكبير والمنظم الذي صارت سوريا وايران تشكلانه عبر أذرعهما المعروفة ولا سيما اللبنانية والفلسطينية منها.
طبعاً تستدرك المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة نفسها، لم تصل اسرائيل وسوريا وتالياً اميركا الى وضع "مأزقي" يوجب اللجوء الى خيارات بديلة صعبة ومكلفة. فالمسؤولون فيها كلها لا يزالون يراهنون على حوار اميركا مع سوريا وعلى تفاوض بين سوريا واسرائيل. ورهانهم ليس تمنيات بل هو نتيجة معلومات تفيد ان اميركا تبذل مساعي حقيقية لمعاودة المفاوضات السورية – الاسرائيلية برعايتها. وتفيد ايضاً أنها ستكون مباشرة. وتفيد اخيراً ان السيناتور جورج ميتشل موفد الرئيس اوباما قد يزور دمشق اواسط الشهر المقبل (حزيران) لاطلاق البحث في هذا الأمر أو ربما لمتابعته.
"النهار"




















