الى اين ستصل ثورة "القمصان الحمر" المستمرة منذ اكثر من ثلاثة اشهر في تايلندا؟. طرح هذا التساؤل احد اساتذة العلوم السياسية السابقين في جامعة "اكسفورد" والاخصائي في الشؤون التايلاندية" سين مينغ شاو" مضيفا: "يعتقد الكثير من المحللين ان هذه الازمة ستمر كسابقاتها، وان تايلندا ستعود الى هدوئها التقليدي (… )
لكن هذا الرأي يُهمل الديناميكيات السياسية الجديدة في هذا البلد". تاريخيا عرفت هذه المملكة مرحلة هدوء سياسي ملفت انتج انتعاشا افتصاديا. في هذه الاثناء كانت البلدان المجاورة لتايلندا تعيش حالات اضطراب وصدامات، داخلية وخارجية، وانقلابات عسكرية وثورات دامية… الا ان هذا الوضع لم يستمر طويلا اذ انتقلت عدوى الفوضى الى المملكة الهادئة، حيث سجل المراقبون اكثر من 16 انقلابا عسكريا خلال الـ 35 سنة الاخيرة، والمرحلة الراهنة ما هي الا امتداد للأزمات السابقة مع تطور جديد هو التمزق الذي بدأ بنهش النسيج الاجتماعي والسياسي في هذا البلد. يرى المراقبون انه لفهم الوضع المتفجر حاليا يجب العودة الى مكونات المجتمع التايلنداي واثر كل منها في العملية السياسية. تأتي في طليعة هذه المكونات المؤسسة الملكية التي تلعب دورا مهما في حماية وحدة البلد وتُجمع كل الفئات التايلاندية على احترامها، لكن الملك يعاني حاليا من المرض وعمره يناهز الـ 82 عاما، ويشير المراقبون الى ان الملكية التايلاندية هي اغنى مملكة في العالم اذ تبلغ ثروتها اكثر من 30 مليار دولار وذلك عائد الى ان الملك يتمتع بعلاقات جيدة مع طبقة رجال الاعمال المكون الثاني البورجوازيين الذين حلوا محل الطبقة الوسطى التي تعتبر العمود الفقري الاساسي للمجتمع في الديمقراطيات الحديثة المزدهرة، ويقيم معظم مسؤولي هذه الطبقة في العاصمة بانكوك وعلى مقربة من القصر الملكي. من مكونات هذا المجتمع، الجيش الوطني الملحق، من الناحية القانونية بالحكومة الرسمية، لكنه واقعيا يُظهر الاخلاص والتبعية للملك، وما الموقف المرتبك للقيادة العسكرية، في المراحل السابقة للازمة الحالية، بشأن استخدام القوة لطرد"القمصان الحمر"من وسط العاصمة الا انسجاما مع موقف الملك الذي نأى بنفسه عن التدخل في هذه الازمة، مع ان هذا الاخير كان قد تدخل بشكل حاسم عام 1992 لوضع حد للصراع بين المتظاهرين والجيش. لقد اعلنت القيادة العسكرية، في المراحل الاولى للنزاع الحالي، انها حذرة في استخدام القوة مع "القمصان الحمر"، لكن قائد الجيش عاد وقال في تصريح له :"نحن جيش لكل الامة وللملكية وللشعب، اننا نقوم بعملنا من دون ان نأخذ جانب اي طرف وسنتبع سياسة الحكومة"، وأخيرا لبى الجيش طلب رئيس الحكومة الحالية واستخدم القوة لتفريق المتظاهرين من وسط العاصمة ووقعت صدامات اوقعت قتلى وجرحى في صفوف المعتصمين. اما آخر مكونات هذا المجتمع فهي الطبقة الشعبية الفقيرة التي تقطن في القرى والريف وخصوصا في المناطق الشمالية والشمالية- الشرقية للبلد وتبلغ نسبة هذه الطبقة نحو 65 بالمئة من الشعب التايلاندي.
تعود جذور الازمة الحالية الى العام 2006 لدى الانقلاب العسكري الذي اطاح رئيس الوزراء السابق"تاكسين شيناوترا" عندما اُعيد انتخابه لولاية جديدة، لكن مؤيدي خصومه السياسيين" القمصان الصفر" مقابل مناصريه" القمصان الحمر" احتلوا مطار العاصمة" بانكوك" ورفضوا اخلاءه الا بعد اقالة تاكسين المنتخب، ومن المعروف ان هذا الرئيس كان، في ولايته الاولى، قد اتخذ كثيرا من الخطوات الاصلاحية، اجتماعية وصحية ومالية لصالح الفئات الفقيرة فأيقظ فيهم الوعي السياسي لدورهم في قيادة البلد وتعرفوا على مدى الهوة السحيقة التي تفصلهم عن الفئات الميسورة، يُضاف الى ذلك حل" المجلس الدستوري" حزب قوة الشعب" المقرب من تاكسين الذي نُفي بدوره الى بريطانيا.
استمر حكم الجيش، بعد الاطاحة بتاكسين، مدة سنة ونصف السنة لكنه فشل في ايجاد حل جدزري للازمة؛ وفي كانون الاول عام 2008، وتحت الضغط، تم انتخاب رئيس الوزراء الحالي"ابهيسيت فيجاجيفا"وعاشت تايلندا ازمات متتالية، فتفاقم الوضع العام وبدا الانقسام حادا في المجتمع التايلاندي واتخذت الازمة ابعادا ما اثار الخوف في الدول المجاورة حيث اعتبر الامين العام لرابطة دول جنوب شرق آسيا ( آسيان).
وتايلاند عضو فيها: "ان الازمة السياسية في تايلاند تتفاقم وتشكل تهديدا لأمن دول المنطقة". وبعد مفاوضات طويلة وشاقة تقدم رئيس الحكومة بـ"خارطة طريق" من بنودها:
تنظيم انتخابات اشتراعية في 14 تشرين الثاني القادم انما ضمن عدد من الشروط كاحترام الملكية، وتنفيذ اصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية، واجراء تحقيق حول اعمال العنف التي اوقعت نحو الثلاثين قتيلا والف جريح.. رحبت الطبقة السياسية التايلاندية بهذا الاعلان وايده ايضا الرئيس السابق تاكسين وقادة
"القمصان الحمر". لكن هؤلاء طالبوا بايضاحات وتعهدات لضمان تنفيذ هذه البنود
لكن الوضع ما لبث ان انفجر من جديد، وهدد رئيس الحكومة بسحب اقتراحه اذا ما اصر المعتصمون البقاء في وسط المدينة، وفجأة عادت الامور الى المربع الاول ودخل الجيش كطرف ضد "القمصان الحمر" وقرر تفريق المتظاهرين بالقوة ما اوقع المزيد من الضحايا بين قتلى وجرحى.
يرى كثير من المحللين ان الطرفين قد تعبا من طول الازمة ويرغبان في ايجاد مخرج خوفا من الدخول في نفق الحرب الاهلية ويضيف هؤلاء ان على الملك التدخل واعطاء ضمانات للطرفين :اخلاء وسط المدينة من المتظاهرين، من جهة، ومن جهة اخرى تنفيذ بنود ما تعهد به رئيس الحكومة بدقة وضمن مهل زمنية معقولة…
"البيان"




















