"هناك رباط وشائجي بين اليهود والقدس. فهي عاصمتهم الوحيدة. وهي التي ذُكرت في التوراة عشرات المرات، لكنها لم تُذكر في القرآن مرة واحدة".
طرح رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو هذه العبارة الاستفزازية في الكنيست، اثناء الاحتفال بالذكرى السنوية ليوم احتلال القدس وفقا للتقويم العبري.
وتصدى له النواب العرب مؤكدين ان القدس هي اولى القبلتين وثالث الحرمين، وان نتنياهو يزوّر التاريخ ويمس المشاعر الدينية للمسلمين والمسيحيين العرب.
وأنكر رئيس وزراء اسرائيل هذا الاتهام، مدعياً ان القدس ذكرت 142 مرة في العهد الجديد (اي في الاناجيل) ولم يرد في القرآن اسم واحد من بين 16 اسما عربيا للقدس. بينما ذُكرت في التوراة 850 مرة.
وبعد ان تجاهل الحديث عن مفاوضات السلام غير المباشرة، اكد ان "اسرائيل ستحتفظ بكل القدس، وستضمن حرية العبادة في كل المواقع".
وفسر الفلسطينيون هذه العبارة بأنها تعني الاحتفاظ بالهيمنة السياسية والأمنية على الجزئين الشرقي والغربي من القدس، وان قرار السماح بالوصول الى اماكن العبادة الاسلامية والمسيحية، سيظل يخضع لقانون مراقبة حواجز العبور.
ولما طالبه نائب من "القائمة العربية الموحدة" بالاعتذار، هاجمه نواب اليمين، وامر رئيس الجلسة بطرده من القاعة.
وكان نتنياهو قد اعلن عن افتتاح المهرجانات بيوم القدس، في كنيس كبير يدعى "كنيس الرباي".
وفي الكلمة التي القاها بالجمهور راح يتبجح بمواصلة تهويد اورشليم على امتداد ثلاثة آلاف سنة. ثم كرر تعهد وزير الدفاع موشيه دايان الذي اعلن في اليوم الثالث من حرب حزيران 1967، وامام حائط المبكى ان عاصمة اسرائيل المقسمة قد أُعيد تحريرها وتوحيدها.
ومع ان المبعوث الاميركي جورج ميتشل كان قد بدأ الاشراف على عملية المفاوضات غير المباشرة، الا ان "اللوبي اليهودي" في الولايات المتحدة قابله بشن حملة تشويش واسعة بهدف التأثير على الادارة والكونغرس. ومن ابرز مظاهر تلك الحملة كان الاعلان الذي موّله "صندوق مؤتمر رؤساء المنظمات الاميركية – اليهودية الكبرى". اي الاعلان الذي نشر في صحف عدة بحجم صفحة كاملة تحمل عنوانا ضخما يقول: "القدس قلب اليهود".
وبين الاعلانات الهادفة التي استخدمت في حملة الضغوط، كان الاعلان الذي نشره في الصحف ايلي وازل، الحائز على جائزة السلام حول القدس. وقد اضطر الرئيس باراك اوباما لدعوته الى الغداء لمناقشة مستقبل القدس.
الرد الاوروبي على هذه الحملة كان معارضا وشاملا، على المستويين الرسمي والشعبي. فقد ادان الاتحاد الاوروبي قرار اسرائيل مواصلة البناء الاستيطاني، معتبرا انه عائق في وجه الجهود الدولية للسلام. كما رأت "اللجنة الرباعية" في مذكرتها الخاصة الى حكومة نتنياهو، ان وقف الاستيطان شرط لانجاح عملية السلام.
اما "القنبلة الاعلامية" التي فجرتها عريضة موقعة من ثلاثة آلاف اكاديمي وكاتب وخبير وعالم يهودي، فقد تعامل معها وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، باحتقار وسلبية. ووصفها في احاديثه بأنها خنجر مسموم يُغرس في ظهر الحكومة. علما بأن الذين استخدموا هذا "الخنجر" من امثال دانيال كوهين – بنديت وبرنار انري وايلان فينك – كراود، صرفوا حياتهم في الدفاع عن اسرائيل. ولكنهم حذروا من تكرار عمليات التصفيات الجماعية ضد اليهود، في حال استمرت حكومة نتنياهو في تحدي قرارات المنظمة الدولية ومشاعر ملايين المسيحيين والمسلمين في العالم. وتشير العريضة الى مخاوف يهود اوروبا "من ان تكون الدماء التي روت هذه القارة، قد ذهبت سدى. كل هذا بسبب تجاهل قيم العدل والانسانية وحقوق الانسان، الامر الذي يشير الى ظهور حركة سياسية فاشية يتزعمها نتنياهو وليبرمان".
الجامعة العربية ردت على مزاعم الحكومة الاسرائيلية ببيان اصدرته لمناسبة الذكرى الثالثة والاربعين لاحتلال القدس الشرقية، شجبت فيه تزوير التاريخ لأغراض سياسية. ويقول البيان: "ان العرب الكنعانيين اسسوا مدينة اور – سالم وجعلوها عاصمة لدولتهم التي اقاموها على ارض كنعان في الألف الثالث قبل الميلاد".
وجاء ايضا في البيان: "ان الاحتلال لم يكتف بضم المدينة تحت تهديد القوة المسلحة والعدوان، بل عمد الى الادعاء بأنها تعود الى اليهود بالاستناد الى مزاعم توراتية تدحضها التوراة ذاتها".
ولم يكن بيان الجامعة العربية سوى تحذير من التاريخ المضلل الذي ابتدعته الصهيونية بغرض انشاء وطن قومي لليهود بعدما فشلت مشاريع التوطين في اوغندا والارجنتين وسيبيريا. ويجمع المؤرخون على القول ان مدينة القدس بُنيت قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة تقريبا. وكان بناؤها على ايدي اليبوسيين الذين يتحدرون من الكنعانيين النازحين من الجزيرة العربية. واعطاها المؤسسون اسمهم، اي "يبوس" كذلك عرفت باسم "سالم" و"مدينة السلام" وتؤكد المراجع الموثقة ان "ملكي صادق" – ملك اليبوسيين – هو اول من نظم القدس سنة 1800 ق.م. وكان العرب الكنعانيون اول من تعبد في هذه البقعة، قبل الف سنة تقريبا من ظهور هيكل داود وسليمان.
خلال القرن الثامن قبل الميلاد، احتل الاشوريون القدس اثناء فترة حكم ملكها "احاز" الذي اغلق هيكل سليمان. وفي سنة 590ق.م. زحف نبوخذ نصر من بابل ليحاصر القدس ويدمر الهيكل والاسوار ويطرد اليهود الذين اعادهم اليها كورش الفارسي الذي احتل بابل سنة 539ق.م. بمساعدة اليهود.
أثناء الحكم البيزنطي عاشت القدس مرحلة هدوء طويلة استمرت خمسة قرون. ولم يسكن فيها طوال هذه المدة يهودي واحد. وظلت الحال على هذا المنوال حتى سنة 614م يوم هاجمها الفرس وأدخلوا معهم اليهود. وبعد مرور فترة قصيرة انتصر عليهم امبراطور الرومان هرقل، وأخرجهم من كل بلاد الشام. وجدير بالذكر ان العرب لم يبارحوا القدس في كل الازمنة. وفي سنة 638م عادت سيطرة العرب على القدس بعد فرار الحامية الرومانية. واستسلم في حينه البطريرك صفرونيوس للقائد أبي عبيدة بن الجراح. وقد اشترط البطريرك ألا يسلم مفاتيح المدينة لغير الخليفة عمر بن الخطاب الذي وصل من المدينة المنورة وكتب وثيقة الامان التي عرفت في ما بعد ب"العهدة العمرية".
وتبدأ "العهدة العمرية" بالتوصية الآتية: "هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل "ايلياء" من الامان. (وايلياء كان اسم القدس في تلك المرحلة). أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم. ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من شيء من أموالهم. ولا يكرهون على دينهم. ولا يضار أحد منهم. ولا يسكن بايلياء معهم أحد من اليهود".
يقول المؤرخ جورج تومبسون: "ان الحروب الصليبية كانت أول تجربة في الاستعمار الغربي قامت بها الأمم الاوروبية خارج حدود بلادها لتحقيق مكاسب اقتصادية واسعة النطاق".
وقد استمرت تلك الحروب طوال قرنين من الزمن، الى أن حسمها لمصلحة العرب صلاح الدين الايوبي.
في حرب 1948 تعرضت القدس للتقسيم بحيث تضمن الجزء الشرقي العتيق كل المقدسات الاسلامية والمسيحية. ولما حدثت حرب 1967 استغلت اسرائيل الوضع لتحتل الجزء الشرقي، وتعمل على تهويده من طريق التضييق على السكان العرب ومصادرة أراضيهم وإسكان اليهود مكانهم بالرغم من قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة.
في سنة الاحتلال كان عدد سكان القدس الشرقية 69 ألف نسمة. وظل هذا العدد يتضاعف الى أن بلغ سنة 2006 أكثر من 280 ألف نسمة موزعين على 23 حياً وقرية تقع في حدود بلدية القدس. ولكن الحكومات الاسرائيلية مارست سياسة الحصار والتضييق الاقتصادي لارغام السكان على النزوح. ثم جاءت حكومة نتنياهو لتزيد ضغوطها بهدف خلق وقائع جديدة تجعل من مساحة "القدس الكبرى" موقعاً يوازي مساحة ثلث مساحة فلسطين تقريباً.
تقول الصحف الاوروبية ان العريضة التي وقعها ثلاثة آلاف أكاديمي وعالم يهودي لم تكن كافية لاقناع حكومة نتنياهو بالتراجع عن موقفها المتعنت. لذلك استنجد هؤلاء باستاذ العلوم في جنيف موريس سترون ونائب سابق عن "ميريتس" يدعى افشلوم فيلان، كي يوضحا دور اليهود في تاريخ القدس. وجاء في الدراسة التي نشراها ما يأتي:
أولاً- ان مقولة القدس كانت دائماً مدينة يهودية، وعلى ذلك فإن حقوقنا فيها تاريخية مشروعة… هذه المقولة ليست دقيقة.
ثانياً- سميت "يبوس" قبل مئات السنين من احتلال داود لها. وقد احتلها بجيش مرتزقة لم يثبت أن شارك فيه أي سبط من اسباط بني اسرائيل. ولذلك لم تنسب المدينة الى أي سبط بعد سقوطها. لذلك اشترى داود من حاكمها السابق قطعة أرض ليبني عليها الهيكل. ونقل الى تلك الارض التابوت المقدس. وخلال مدة أربعين سنة من حكمه رفض داود جعل القدس مركزاً نهائياً خوفاً من اختفاء هياكل المراكز الاخرى في شيلو وبيت لحم والخليل وبيت ايل.
ثالثاً- محاولات السيطرة الدينية على العاصمة السياسية لم تحدث سوى الضرر. ذلك ان التطرف في نهاية عصر الهيكل الثاني بلغ ذروته بين الصدوقيين والفريسيين في القدس. وانتهى الامر بسيطرة السكريكين من طريق الارهاب، الامر الذي أدى الى خراب الهيكل وضياع الاستقلال السياسي.
رابعاً- سنة 361م اقترح القيصر يوليانوس على اليهود ترميم الهيكل. وقد رفض قادتهم هذا الاقتراح خوفاً من اختفاء السلطة السياسية تحت السلطة الدينية. وعليه نرى، ان حكومة نتنياهو لم تتعلم من التجربة التاريخية لأنها قيادة قصيرة النظر، ولأن سياستها محصورة في أحزاب اصولية متزمتة لا تعرف الواقعية.
يقول الكاتب والمؤرخ اليهودي اسرائيل شاحاك في كتابه "وطأة ثلاثة آلاف سنة"، انه سمع بن غوريون يفاخر بعد حرب السويس 1956، بأنه "شن تلك الحرب لاعادة مملكة داود وسليمان الى حدودها التاريخية". ويرى شاحاك في هذه النزعة التوسعية خطراً أساسياً من الدولة يهودية على شعبها وعلى جيرانها ايضاً.
ويلتقي الكاتب شاحاك في نظرته الى الدولة اليهودية مع نظرة المستشار النمسوي برونكرايسكي الذي قال: "تقوم الصهيونية على أوهام تاريخية تدعمها آراء خاطئة بأن كل اليهود قدموا من اسرائيل. ولضمان نجاح الحركة الصهيونية، إنبرى عدد من كتّاب اليهود لتحويل اساطير التوراة وخرافات التلمود، حقائق
تاريخية".
وقد تبنى نتنياهو عملية تحقيق هذه الخرافات خدمة للحركة الصهيونية.
(كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)
"النهار"




















