[ الكتاب: انهيار الرأسمالية
[ الكاتب: اولريش شيفر
[ المترجم: عدنان عباس علي
[ الناشر: عالم المعرفة، الكويت 2010
يشرح كتاب "انهيار الرأسمالية" للألماني أولريش شيفر العوامل التي أدت إلى الكارثة التي شهدتها الدول الرأسمالية، بعد أن ظهرت بوصفها المنتصر الذي لا يجارى في صراع الأنظمة، فقد هزمت الاشتراكية وتغلغلت في كل أرجاء المعمورة. لقد حققت الرأسمالية لسكان الدول الصناعية رفاهية لا مثيل لها. فقد ارتقى ملايين المواطنين إلى مراتب أعلى، والذي لم يفلح في تحقيق ما يصبو إليه، كانت الدولة ستعينه على أموره وستساعده على تكرار محاولة الارتقاء. بهذا المعنى كاد النظام يكون نموذجياً، ففي حين تتكفل دولة الرعاية الاجتماعية بتأمين متطلبات العيش للجميع، تحدد دولة القانون القواعد المتحكمة بالاقتصاد.
في الثلاثين عاماً المنصرمة كفت الدولة ومعها السياسيون المنتخبون وفق قواعد الديمقراطية عن التدخل في عمل الاقتصاد تاركة قوى السوق تصول وتجول، أي أن الدولة والسياسيين تركوا الاقتصاد الوطني توجهه حفنة رجال تهيمن على الشركات العملاقة والمصارف ولا تتمتع بأي شرعية ديمقراطية. ومنذ ذلك الحين، أطلقت الرأسمالية العنان لطاقاتها الجامحة، ولطاقاتها المعظمة للرفاهية من ناحية، والمدمرة لوحدة المجتمع من ناحية ثانية، وهذه الطاقات غيرت نمط الحياة الرأسمالية بنحو متسارع.
تحرير اقتصاد السوق ثورة فرضتها الحكومات على المجتمعات. فهذه الثورة اندلعت في مطلع السبعينات في الولايات المتحدة وانتقلت شرارتها إلى بريطانيا والى بقية الدول الأوروبية. البداية كانت مع انهيار نظام بريتون وودز، هذا الانهيار الذي كان علامة تشير إلى بزوغ فجر ما يعرف بالعولمة، فالقرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون من طرف واحد، مهد الطريق لاندلاع تطور غيّر ملامح الاقتصاد العالمي. فقد تحررت أسواق المال من التوجه الحكومي، وفتحت مصارفها للمستثمرين الأجانب، وخلال وقت قصير حذت الدول الأخرى حذوها. بانت في أسواق المال وبنحو لا مثيل له التحولات المفزعة التي أفرزها تراجع دور الدولة في الشأن الاقتصادي. فحتى مطلع السبعينات كانت المشاريع الإنتاجية تهيمن على الاقتصاد. أما المصارف، فإن دورها كان ذا طبيعة خدمية لا غير. فهي تزود القطاع الإنتاجي بالنقد الذي تحصل عليه من المدخرين، وخلافاً لما هو سائد حالياً، لم تكن المصارف تهيمن على العالم بنحو خفي. ولكن الوضع اختلف، فالبورصات تتعامل اليوم بأكثر من 3 تريليونات دولار في اليوم الواحد، أي بنحو 90 ضعفاً مقارنة بحجم التجارة السلعية العالمية. وازداد التعامل بالمشتقات المالية، فقيمة هذه المشتقات التي جابت النظام المالي العالمي في العام 2007، قد وصلت إلى 592 تريليون دولار، أي أنها بلغت عشرة أضعاف قيمة السلع والخدمات التي ينتجها سكان المعمورة عاماً بعد عام.
ظهر تحرير الاقتصاد بوصفه عصراً ذهبياً، مرحلة ازدهار اقتصادي بدا وكأنه سيدوم طويلاً. بتشجيع من الساسة حققت الرأسمالية في التسعينات ازدهاراًُ عظيماً. وأعلنوا ولادة عصر جيد: عصر الاقتصاد الجديد، اقتصاد التكنولوجيا الجديدة والاتصالات الحديثة، زاعمين أن هذا الاقتصاد سيحقق ازدهاراً مستديماً بكل تأكيد. في هذا العصر الجنوني لا تتحدد مسيرة الحياة الاقتصادية من خلال المصانع، بل من خلال الشركات الفتية المتخذة من كراجات السيارات ورشاً للعمل. في ظل هذا الاقتصاد أصبحت مصارف الاستثمار سادة العالم. وخلافاً للمصارف التجارية، لم تعد مصارف الاستثمار تخضع لرقابة مصرفية صارمة، وهكذا صارت بيوت المال الناشطة في "وول ستريت" تخضع لقيود واهية إلى حد ما، والأمر البين هو أن المستثمرين الماليين ومصارف الاستثمار والبورصات وأسواق رأس المال قد غيروا نمط عمل الاقتصاد وأدخلوا تغيرات مهمة على المجتمع.
أشرف العالم في خريف العام 2008 على التعرض لأزمة ثانية شبيهة بتلك التي تعرض لها في العام 1929. فلم يسبق أبداً أن تصرفت أسواق المال بالنحو الجنوني الذي شاهدناه. وبغض النظر عن المراحل المختلفة والصيغ المتعددة التي ستتخذها الأزمة مستقبلاً، فالرأسمالية أما أن تنجح في تجديد نفسها من الجذور، وأما أنها ستنهار وتصبح من مخلفات التاريخ. فبعد ثلاثة عقود سيطر فيها الاقتصاد المحرر من القيود على العالم. أصبحنا بأمس الحاجة إلى إحياء الدولة إحياءًا متزناً. فمن الضروري استعادة الدولة للمجالات التي خسرتها، المجالات التي تخلت عنها منذ مطلع السبعينات، إن الدولة ملزمة برسم حدود للأسواق، من غير أن تشل قواها. لكن الدولة وحدها، لن تستطيع استعادة الثقة باقتصاد السوق، فحقبة الجشع، يجب أن يتبعها عصر الاعتدال في تحقيق المصالح الخاصة، وحقبة الإسراف الأهوج، يجب أن تتبعها عصر الواقعية والتصرف الحصيف. وحقبة تعظيم قيمة الأسهم والتطلع المسرف وغير المسؤول في جني الأرباح، يجب أن يتبعها عصر المبادئ الأخلاقية وعصر الشعور بالمسؤولية.
مراجعة: سمير الزبن
"المستقبل"




















