بعد الهيمنة الاستراتيجية والعالمية الكبرى للولايات المتحدة الأميركية، هل لازال باب الشرق الأوسط موارباً لدرجة تسمح للدب الروسي بالدخول منه، أم أن أميركا وبعد أن دخلت المنطقة أغلقت وراءها الباب نهائياً، ولم يعد بإمكان القوى العالمية الأخرى سوى التلصص من خلف الستائر الأميركية؟
المقصود بهذا السؤال استكشاف طبيعة التحرك الروسي الزخم باتجاه المنطقة، وذلك عبر ملفات ساخنة عدة، الإيراني، الفلسطيني، السوري، إذ من الواضح أن ثمة حركة دبلوماسية روسية منظمة تجاه هذه الملفات، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل حول طبيعة هذا التحرك وتوقيته وأهدافه.
ومن المعروف أن الخروج الروسي من المنطقة قد تم في نهاية الحقبة السوفياتية بعد صراع طويل مع الولايات المتحدة الاميركية على النفوذ، وبعد حلم مديد بمياه المتوسط الدافئة، لينتهي إلى كابوس فرضه نفاذ الجهود والموارد الروسية، الأمر الذي انعكس تغييراً أساسياً في التفكير الروسي، ينطلق من تقدير واقعي لضعف روسيا لدى كبار زعمائها، وقد سعت واشنطن على مدار عقد ونصف لترسيخ هذا الاعتقاد كمعطى استراتيجي ثابت ونهائي، وقد عبرت عن هذا التطور في وثائقها الاستراتيجية التي صدرت تباعاً منذ العام 2002 وحتى اللحظة.
ومن جانبها عملت روسيا على إقناع نفسها بهذه المتغيرات، وأخذت تتكيف معها بطريقة أذهلت حتى صقور البيت الأبيض أنفسهم، وجرى ذلك عبر الاستهتار التام بالدور والمكانة الروسية، الامر الذي انعكس سلبا على المصالح الروسية في المنطقة.
فما الذي تغير في المشهد السياسي الدولي، والذي سعت واشنطن إلى استعمال كل الأدوات الممكنة والمتاحة لتوظيفه في خدمة استراتيجيتها العالمية حتى يصار إلى إدخال الدب الروسي إلى أهم المناطق الحيوية في هذه الاستراتيجية، وبإرادة ورغبة أميركية؟
من المؤكد أن هذا التراجع التكتيكي الأميركي، هو ثمرة الاستراتيجية الأمنية المتشددة التي كان قد رفع لواءها المحافظون الجدد، والتي قامت على رفع سقف التشدد تجاه بعض القوى الإقليمية، والتي اعتبرها المحافظون كمصادر لتهديد مصالح واشنطن الاستراتيجية، وهي استراتيجية أتضح من الناحية العملياتية خطأ تقديراتها، وخاصة لجهة القدرة على خوض أكثر من حرب في نفس الوقت، حيث أثبتت الحالة العراقية، المفتوحة على احتمالات واسعة ولكن على خلاصة واضحة، إن أميركا تستطيع بالفعل أن تسقط أنظمة سياسية وتهزم جيوشاً رسمية، ولكنها لا تستطيع أن ترفع أنظمة بديلة ومقبولة ولا أن تبني جيوشاً حليفة، والأهم أنها لن تعرف كيف تقفل حنفيات الدم المسالة من أجساد جنودها ومن أجساد أبناء الشعوب التي تظللها باسترتيجيتها.
إلى هذه الحقيقة، ثمة حقيقة أخرى تضاف، وهي أن ثمة مناطق في العالم، ومنها الشرق الأوسط فيها من الهشاشة والسخونة بمكان بحيث لا تستطيع الأصابع الاميركية الغليظة أن تعبث بصياغتها، الأمر الذي أحال كل المقاربات الاستراتيجية والأمنية التي صاغها استراتيجيو المحافظون الجدد إلى مجرد ركام ومأزق خطير.
وانطلاقاً من هذا الواقع الاستراتيجي والجيوسياسي المعقد، بدت الحاجة "أميركياً" ملحة لإدخال الدب الروسي إلى المنطقة، وبعد أن تم الاطمئنان إلى حقيقة استراتيجية مهمة، وهي أن روسيا بإمكاناتها وظروفها الحالية، ليس لديها طموحات أكبر من حجم الدور الذي تكلفها به واشنطن، وإنها برغم تعطشها للعب دور ما، فإن أدواتها الاستراتيجية باتت متخلفة وفقيرة، وهي في نهاية الأمر لن تطلب مقابلاً استراتيجياً مهماً لخدماتها يشكل تأثيراً على الاستراتيجية الكبرى لواشنطن.
في المقابل فإن للدور الروسي إيجابيات مهمة، أقله أنه يخفف من حدة النقمة على أميركا من قبل شعوب المنطقة، كما أنه يعطي لواشنطن فرصة للعب من خلف الكواليس، ويتيح لها مرونة أكبر في التفاوض، بعد أن كانت قد ألغت الدبلوماسية من بنود استراتيجيتها التي أعلنتها في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، وتحديداً بعد أحداث 11 أيلول، ما أوقعها في كثير من المآزق التي عجزت عن تجاوزها عبر قوتها العسكرية، ولا من خلال سيطرتها على منظمات الأمم المتحدة، أو ما يسمى بأدوات تشريع القانون الدولي.
والحال فإن الدور الروسي الجديد في المنطقة منوط به مهمة واحدة وهي لملمة خيبات العملاق الأميركي في عصر قوته المطلقة، ومساعدة واشنطن على إعادة التوازن لدورها الذي سيطر عليه جانب القوة العسكرية الصماء ذات المفاعيل المحدودة، على حساب قوة الدبلوماسية وديناميتها وفاعليتها الهائلة، فهل تنجح روسيا في تكييف الدور الأميركي ليتناسب والمعطيات الإقليمية المستجدة والتي فرضتها ساحات الشرق الأوسط بدءاً من العراق مروراً بلبنان وسوريا وانتهاءًا بفلسطين، أم أن واشنطن ستعمل على امتطاء الدب الروسي لتتجاوز من خلاله بعض الألغام، أو ربما للعمل على توريطه أكثر في ساحات المنطقة؟.
"المستقبل"




















