هناك من يرفض القول بضرورة الترجمة، من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، أو حتى بفائدتها، على أساس أن في تراثنا الفكري العربي ما فيه الكفاية، وأن نهضتنا المنشودة لن تتحقق بفهم ما فعله الآخرون وتقليده، بل باستيحاء تراثنا القديم وتطبيقه.
ولكن هذا القول لا يمكن أن يصمد أمام النقد، ليس بتقليل شأن تراثنا وإنكار ضرورة التمسك به، ولا بإنكار أن النهضة الحقيقية لأي أمة لا يمكن أن تتحقق إلا مستندة إلى معرفة بتراثها والتعاطف معه، ولكن ببيان أن التعرف على أفكار الآخرين المحيطين بنا والمؤثرين فينا، هو أيضا شرط من شروط النهضة، ناهيك عن حالة يكون فيها الآخرون أكثر تقدماً منا في مجالات يهمنا التقدم فيها.
إني أرفض التصنيف الشائع للأمم إلى دول متقدمة وأخرى متأخرة أو متخلفة، فالتقدم يكون في أشياء دون أشياء، والتخلف كذلك، بل والتقدم في مجال يقترن عادة بتخلف في غيره . ولكن هذا لا يعني إنكار أن الدول الصناعية (التي اصطلح على وصفها بالمتقدمة) قد نجحت في أشياء يهمنا أن نتعلمها أو نكتسبها، خاصة في مجال العلوم الطبيعية والتكنولوجيا، وهذا يجعل ترجمة إنتاجهم الذي أدى إلى هذا التقدم جمّ الفائدة لنا.
بل إني سأذهب إلى أبعد من هذا فأزعم أن هؤلاء الذين سبقونا في العلوم الطبيعية والتكنولوجيا، سبقونا أيضاً في بعض مجالات البحث ذات الصلة الوثيقة بتراثنا نفسه . بل ان بعض كتب التراث العربي والإسلامي لم ينبهنا إلى أهميتها إلا أبحاث الأوروبيين أنفسهم، وقد استخرج هؤلاء منها ما لم يستخرجه الباحثون العرب والمسلمون .
فهل يمكن أن ننكر هذا الفضل لهم لمجرد أن موضوع البحث هو تراثنا نحن؟ ولماذا نحرم أنفسنا من أرثنا والمسالك التي فتحوها أمامنا بجدّهم وإخلاصهم (حتى مع الاعتراف بسوء نية كثير منهم)، ما دام في ذلك ارتفاع بمستوى فهمنا لتراثنا وتوسيع فرص الإفادة منه ؟
احترام تراثنا إذن والتمسك به لا يمكن أن يكونا حجة ضد الترجمة . ولكن قد يقول قائل إن الترجمة ليست أفضل طرق التعرف على أفكار الآخرين وإنتاجهم، بل الأفضل منها تعلم لغاتهم التي كتبوا بها في الأصل .
فالفهم عن هذا الطريق أدق، والمعرفة التي تؤدي إليها أوسع وأنفع . وتحضرني هنا قصة جميلة رواها أبي (المرحوم الأستاذ أحمد أمين) في كتابه (حياتي)، وهو يصف ما أدى به إلى بدء تعلم اللغة الانجليزية في سن متأخرة نسبياً (هي أواخر العشرينات من عمره).
كان لأبي صديق حميم له نفس اسم أبي (أحمد أمين)، وكان عالماً مرموقاً في القانون وأستاذاً في كلية الحقوق، عندما كان أبي مدرساً في مدرسة القضاء الشرعي، وقبل أن يصبح أستاذاً في كلية الآداب . كان الأستاذ أحمد أمين (عالم القانون) قد حصل على الدكتوراه من فرنسا، ويجيد الفرنسية والانجليزية، بينما كان أبي لا يجيد إلا العربية.
فإذا بأستاذ القانون يقول لأبي إنه أتمّ لتّوه قراءة كتاب ممتاز عن الإسلام لباحث انجليزي، وراح يطري الكتاب بشدة ويروي لأبي بعضا مما احتواه من أفكار جديدة . فإذا بأبي تأخذه الحماسة ويقسم أنه سوف يعمل كل ما يلزم حتى يستطيع قراءة هذا الكتاب بلغته، وهذا هو ما دفعه لبدء تعلم الانجليزية في الحال .
نعم، إن تعلم اللغة الأجنبية شيء جميل، ومفيد حتى في خدمة تراثنا نفسه ولكن هذا لا يغلق باب الترجمة ولا ينفي ضرورتها . فمن ناحية، سوف تظل نسبة كبيرة من أي شعب، حتى من بين المتعلمين، جاهلة باللغات الأجنبية، أو لم تصل معرفتها بها إلى مستوى يسمح بفهم كل ما يكتب بها . والذي يعرف ويجيد إحدى اللغات الأجنبية لن يجيد غيرها، على الأرجح، بنفس الدرجة، ومن ثم قد يرحب بوجود ترجمة لما كتب بلغة لا يعرفها أو لا يجيدها .
أضف إلى ذلك أن الترجمة تحقق فائدة كبرى للغة التي يترجم إليها، من حيث إدخال كلمات ومصطلحات جديدة تقابل المصطلحات الموجودة في اللغة التي يترجم منها، من ثم تغني اللغة الأم بمصطلحات وتعبيرات جديدة وتجعلها أكثر قدرة على التعبير عن متطلبات الحياة الحديثة . بعبارة أخرى، الترجمة تثري اللغة المترجم إليها، وتضمن مواكبتها لتطور الحياة والعلم، بينما يؤدي الاكتفاء بتعلم اللغة الأجنبية إلى بقاء اللغة الأم على ما هي عليه لا تتغير أو أن تتغير ببطء شديد.
ربما كان الأهم من هذا كله ميزة أخرى للترجمة لا يحققها تعلم اللغة الأجنبية، وهي ما قال به البعض من أن الإبداع لا يمكن أن يتم إلا إذا كان التفكير باللغة الأم، أي اللغة التي سمعها وتعلمها المرء منذ مولده .
وهي فكرة لها في رأي وجاهة شديدة وأعتقد أنها تلمس جانباً مهماً من الحقيقة . ولعلها هي السبب في أن الدول التي سبقتنا في محاولة اللحاق بالغرب في العلوم والتكنولوجيا، كاليابان وروسيا والصين، كانت تصر دائماً، ولا تزال، على ترجمة كل الانجازات العلمية الغربية إلى لغاتها وأن تتعلم شعوبها هذه العلوم باللغة الأم .
ذلك أن الذي يفكر بلغة أجنبية قد سيتعصي عليه الخروج على ما تعلمه على أيدي أصحابها، بينما الذي يفكر بلغة قومه، حتى ولو كان بعض أفكاره قد أتى عن طريق قراءته لأعمال مترجمة، يكون في العادة أقدر على التجديد والابتكار والإضافة .
هذا الاعتبار الأخير هو على الأرجح ما يدفع بعض المهتمين بالإصلاح اللغوي في بلادنا، إلى التمسك «بتعريب العلوم»، فلا يكفي في نظرهم أن يجيد المتعلم لعلم من العلوم لغة المبدعين في هذا العلم، بل لابد أن يتعلم كيف يفكر في هذا بلغته، وهذا لا يتوفر إلا مع وجود الترجمة. إذا كان الأمر كذلك فما هو أفضل الطرق للنهوض بحالة الترجمة في العالم العربي، كماً ونوعاً ؟
sgsaafan@aucegypt.edu




















