هل تكون "صدمة" نهر النيل ("الوجودية") التي سببتها لمصر مادة في اتفاقية عقدتها "دول المنابع" تعطي لنفسها فيها حق اقامة مشروعات وسدود على النهر داخل اراضيها بمعزل عن موافقة "دول المصب"… هل تكون هذه الصدمة ضرورية لمصر لكي تدرك فداحة "الفراغ" الذي تعيشه منطقة الشرق الاوسط وأهم ما فيه "الغياب الاستراتيجي" المتهمة به دولة "محورية" بأهمية مصر؟ فتبدأ القيادة والنخب المصرية الحكومية وغير الحكومية عملية مراجعة عميقة تتجاوز التحرك النشط الذي بدأته الرئاسة المصرية مع بعض الحكومات الافريقية؟
فإذا كانت "الدائرة الافريقية" لمصر قابلة لهذا النوع من احتمال "استضعاف" مصر المستقبلي في اهم مسألة حياتية لها منذ ولدت ككيان سياسي في التاريخ اي مياه النيل، فكيف بالدوائر الاخرى العربية والاسلامية والاوروبية المتوسطية التي بدأت دول مثل تركيا (كقوة استقرار) وايران (كقوة اعتراض او "شغب" جيو – سياسي) تتقدم اليها على حساب الدور او الادوار المصرية السابقة؟
من المفارقات… التي تكمل رصد ما اسميناه في تعليق يوم الجمعة المنصرم: "الادوار المصرية التي تلعبها تركيا" ان مؤتمراً دولياً حول الصومال عقد في الايام الثلاثة الاخيرة (السبت والاحد والاثنين) في اسطنبول برعاية الامم المتحدة وحكومتي تركيا والصومال وحضور ممثلين لـ55 دولة.
في اسطنبول!
ألا يدفع هذا الخبر حول مكان المؤتمر الذي يتم تحت شعار "اعادة إعمار الصومال" الى التساؤل – ودون ان نحاول المبالغة في الاستنتاجات – هل حتى اسطنبول باتت مكان القاهرة في احدى الدوائر الاكثر التصاقاً بالدور المصري في الأزمنة الحديثة… شرق افريقيا؟ مع العلم ان تركيا افتتحت في الآونة الاخيرة خمس سفارات جديدة في دول افريقية مختلفة وهناك تخطيط في انقرة لافتتاح عشر سفارات جديدة في تلك القارة في السنوات المقبلة.
•••
طبعاً يوحي تحرك "دول منابع النيل" الى احتمال خطة بعيدة الامد قد تؤدي الى نوع من "استضعاف" مصر (والسودان) خصوصاً في مرحلة تلوح فيها امكانات انفصال جنوب السودان بما يعني عزل خريطة السودان العربي عن عدد من "دول المنابع" التي تتصل بها جغرافيا بشكل مباشر؟
مصر قادرة طبعاً على الدفاع عن نفسها بخبراتها السياسية والتقنية والديبلوماسية… كما حتى العسكرية… حتى لو بدت هذه النقطة الأخيرة مستبعدة جداً على المدى المنظور… وإن كان الدور الاثيوبي الملاصق ايضاً لشرق السودان وليس فقط جنوبه يثير على ما يبدو في القاهرة اسئلة وشكوكاً وارتيابات اكثر من ادوار دول أخرى ككينيا او اوغندا او غيرهما من "دول المنابع"؟. وهذا له ايضاً وطأة اضافية "اقرب" حين يتعلق الأمر ببعد خاص في الأزمة يتعلق بالعلاقات الاثيوبية – المصرية المتصلة والمعقدة تاريخياً، مياها، وجغرافيا سياسية، وديناً بل حتى كنائسياً بين المرتفعات والوادي؟
وإذا كانت مصر متراجعة في الشرق الاوسط بصورة ما، فإنها امام احتمال التطور السلبي لهذه الأزمة الاستراتيجية حول "النيل"، تكون معرّضة للانتقال من "الاستبعاد" او "الاستغياب" الى "الاستضعاف"…
وكلنا… مصريون في هذه الحالة. بدون تردد.
• راجع مقال جهاد الزين في عدد الجمعة 21 ايار 2010 على موقع "النهار" على الانترنت www.annahar.com
"النهار"




















