كتب وقيل الكثير عن السياسة الخارجية المرتقبة للرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما تجاه منطقة الشرق العربي وخصوصا ملفي لبنان وسوريا. ولكن معظم ما قيل وكتب يفتقد الى المقاربة العلمية الجدية ويرتكز على مقاربة سياسية محلية مبالغ فيها من طرفي النزاع. فالطرف الاول يدعي ان السياسة الخارجية الاميركية لا تعتمد على شخص الرئيس وعناصر ادارته بل على "الاستابلشمنت" اي على المؤسسات الصانعة للسياسة الخارجية الاميركية كوزارتي الدفاع والخارجية اضافة الى "اللوبيات" ومراكز الدراسات والشركات الكبرى والاعلام. نجد في هذا الطرف متحمسي انتفاضة الاستقلال الذين يريدون ان يطمئنوا جماهيرهم الى ان الادارة الاميركية المتبنية لتقرير بايكر – هاميلتون لن تعقد صفقة مع النظام السوري على حساب لبنان وكذلك عقائديي "حزب الله" الذين يروّجون للنظرية القائلة بأن الشيطان الاكبر هو مصدر شر واستعمار ايا كان قائد ذاك الكيان المعتدي.
اما الطرف الثاني فيرى ان ادارة اوباما قادرة بل مصممة على فرض تغيير جذري في السياسة الخارجية الاميركية عموما وفي مقاربتها لدوري سوريا وايران في منطقة الشرق الاوسط خصوصا. وهو يضم منظّري انتفاضة الاستقلال الخائفين من فقدان الغطاء الدولي لحركتهم السياسية ومن ان تعقد الولايات المتحدة صفقة شاملة على دور سوريا في لبنان والمحكمة الدولية واستمرارية النظام، اضافة الى الجهات البراغماتية في قوى الثامن من آذار التي احتفلت بقرب سقوط ما تعتبره المسبب الاول لقوة خصومها السياسيين ما يمهد لسيطرتها على مفاصل الدولة ابتداء من انتخابات العام المقبل.
وكلا الطرفين على خطأ. فان ما يصنع السياسة الخارجية الاميركية اربعة عوامل رئيسية: العامل الاول هو الرئيس ووزيرا الخارجية والدفاع المؤيدان عادة لنهج الرئيس وخططه. والعامل الثاني هو "الاستابلشمنت" الذي يؤمن الاطار الثابت لأي تعديل ممنهج في ملف خارجي معين. اما العامل الثالث فهو المتغيرات المفاجئة التي تفرض نفسها على سياق السياسة الخارجية الاميركية مبدلة الخطة المعدة سلفا كأحداث الحادي عشر من ايلول او جريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الاسبق رفيق الحريري. والعامل الرابع والاخير يعتمد على القدرة التسويقية لدولة معينة او فريق معين في واشنطن ما يخلق "حالة" يصعب الالتفاف عليها او تخطيها برغم المتغيرات في الاحداث والادارات.
لقد بات من الممكن لأي محلل مدرك لتفاصيل السياسة الخارجية الاميركية تجاه لبنان وسوريا ان يرسم صورة عامة لهذه السياسة في انتظار تعيين بقية اعضاء فريق اوباما او اعلان الرئيس المنتخب لخطة واضحة تخص هذين الملفين. هذه الصورة مكونة من اربعة عناوين اساسية. العنوان الاول يقول ان الرئيس اوباما لن يعقد صفقة تعيد النفوذ السوري بشكل دراماتيكي الى الساحة السياسية اللبنانية. العنوان الثاني يقول ان اوباما سيحاول محاولة جدية وشاملة التفاوض المباشر مع النظامين السوري والايراني معتمدا بذلك على ابسط قوانين السياسة الخارجية اي نظرية الجزرة والعصا. العنوان الثالث يقول ان لبنان لن يرى حماسة كلامية متكررة تجاه انجازات وبطولات "ثورة الارز" كالتي عانى منها اللبنانيون مدة اربعة اعوام من ولاية بوش. العنوان الرابع هو انه سيكون للمتغيرات المحلية والاعتبارات الاقليمية حيز كبير جداً من صناعة السياسة الخارجية المبهمة حتى الآن للرئيس المنتخب باراك اوباما.
ولكن السؤال الاساس في ذهن الكثير من اللبنانيين اليوم هو التالي: هل يتوجب علينا الخوف من وصول اوباما الى سدة الرئاسة؟ هل انتهى عهد الدعم الاميركي الكامل لسياسة لبنان واستقلاله؟ هل اصاب الدكتور سمير جعجع حيث تحدث عن فوز مرشح الثامن من آذار في اكبر قوة في العالم؟
والاجابة عن هذه التساؤلات على الشكل التالي: ان اصابة الكثير من اللبنانيين بالهلع كانت لتكون مبررة لو افترضنا ان ادارة بوش كانت بالمعطيات العلمية مؤيدة وداعمة لقوى الاستقلال في لبنان. يقول السفير جوني عبدو انه في ايام ادارة الرئيس الياس سركيس في لبنان كان قد خصص غرفة كبيرة في مديرية المخابرات لملئها برسائل الدعم المعنوي المفرط الذي قدمته آنذاك ادارة الرئيس كارتر لسيادة واستقلال لبنان. والقول نفسه ينطبق على سلوك ادارة الرئيس بوش في الاعوام الاربعة الماضية. فالحقيقة المستغربة احيانا هي ان انتفاضة الاستقلال اعطت جورج بوش بوصفها الوهمي بأنها "انجازه الديموقراطي الابرز في الشرق الاوسط" اكثر بكثير مما اعطاه جورج بوش لانتفاضة الاستقلال بوصفها الداعم العالمي الاول لها. وكي لا نتهم بأننا لم ننتبه لعشرات الزيارات لديفيد ولش وكوندوليزا رايس ولم نستمع الى التصاريح النارية للسفير السابق جيفري فيلتمان. علينا الدخول مباشرة في لغة الارقام والوقائع، فقد تمنت الادارة السياسية لقوى الاستقلال على الادارة الاميركية تحقيق مطالب استراتيجية تخدم المسيرة الاستقلالية في لبنان والتخفيف من كثرة الدعم المعنوي الذي لا فائدة منه ولا جدوى، فلم تحصل قوى الاستقلال الا على مزيد من التصاريح والزيارات دون تحقيق اي من مطالبها الاستراتيجية حول:
– تحرير مزارع شبعا.
– فرض تعديل سلوك النظام السوري.
– فرض معادلة اقليمية تمنع استعمال "حزب الله" للسلاح.
– تسليح الجيش اللبناني بشكل سريع وممنهج وجدي.
– تأمين الغطاء الدولي لانتخاب الرئيس بأكثرية النصف زائدا واحدا.
هذه هي لائحة مختصرة جدا من المطالب اللبنانية غير المحققة. وللتاريخ حصته ايضا في تدوين حقائق خاصة بهذا النقاش. فالولايات المتحدة لم تلعب سوى دور صغير جدا في اخراج الجيش السوري من لبنان. كما ان مساهمتها كانت محدودة في فرض اقرار المحكمة الدولية في مجلس الامن. فتخطي الفيتو الروسي تحقق عبر مجهود ديبلوماسي ومالي للملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز شخصيا. ولا يخفى على احد كون الولايات المتحدة حليفاً غير ملتزم واكبر دليل على ذلك هو تسليم الملف اللبناني الى الفرنسيين بعد مؤتمر انابوليس وبذلك لم يعد على لائحة اولويات الادارة الاميركية.
فعلى ماذا يخاف اللبنانيون؟
ان ما يضمن استمرارية المسار الاستقلالي هو وحدة القوى الاستقلالية وتماسكها واندفاعها وحفاظها على اكثريتها في مجلس النواب. وفقط لأنه يصعب على الرئيس الاميركي المقبل ان يكون اقل فائدة من جورج بوش… لا تخافوا اوباما!
"النهار"




















