أخطر ما توصي به "ورقة" المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي عرضتها "هآرتس" في 23 / 11 هو التوصية بـ "إعداد خطط طـــــوارئ لمهاجمــــة إيران" [ . . . ] "حتى لو كان هذا يعني مواجهة مع الولايات المتحدة".
"الورقة" لن تلبث ان تقدم إلى مجلس الوزراء الشهر المقبل كجزء من التقييم السنوي للوضع الذي يقوم به "مجلس الأمن الوطني"، ما يعني أنها مخطط لسياسة أمنية تنتظر الإقرار.
وتقول الصحيفة التي توصف عادة بأنها "المصدر" لأخبار إسرائيل، أن "الوثيقة تحذّر من أن إسرائيل في 2009، قد تجد نفسها بمفردها عمليا، في مواجهة إيران نووية، عقب تقارب بين الولايات المتحدة وإيران والعالم العربي من شأنه أيضا أن يضر بتفوق إسرائيل العسكري". وتنقل عنها أن "تهديد إيران لبقاء إسرائيل" يقع على رأس قائمة ما تراه من تهديدات لإسرائيل، يليه "التهديد الاستراتيجي" من الصواريخ بعيدة المدى التي تملكها بلدان متعددة في المنطقة. ويندرج ضمن تلك التهديدات تزويد الولايات المتحدة لبعض حلفائها العرب، مثل مصر والسعودية بأسلحة متطورة تقلل من مدى التفوق العسكري الإسرائيلي.
وتنقل عن الوثيقة أن "إسرائيل تواجه تلك التهديدات وحيدة تقريبا. ومن اللزوم تعبئة المجتمع الدولي والحصول على تعاون إقليمي. والإدارة الأميركية الجديدة فرصة لفعل هذا".
أما اين يمكن أن تجد إسرائيل ذلك التعاون الإقليمي المنشود، فالوثيقة تتحدث عن "نظم الحكم العربية السُنّية المعتدلة" وتخص بالذكر المملكة السعودية، فتوصي بأنه "يجب أن تجد إسرائيل طرقا لتوسيع حوارها [معها] حول مختلف المصالح المشتركة". لكنها تستطرد إلى قول أن على إسرائيل أيضا العمل لتحييد المخاطر المحتملة فيها من قبيل تطويرها قدرة نووية وقيامها بشراء صواريخ بعيدة المدى أو سعيها إلى سد الفجوة العسكرية بينها وبين إسرائيل.
تدعم الوثيقة تحذيرها بالقول أن أمام إسرائيل "نافذة" محدودة لتتصرّف قبل أن تحصل إيران على أسلحة نووية وهيمنة إقليمية. وبالتالي على إسرائيل أن تؤسس خيارا عسكريا ضد إيران، تحّوطا لتخلي بلدان أخرى عن النضال، في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة، وتقول هآرتس إن المؤسسة الأمنية تنصح مجلس الوزراء بـ "العمل بتكتم على خطط طوارئ للتعامل مع إيران نووية". كما توصي بتعاون وثيق مع الولايات المتحدة لمنع صفقة بين واشنطن وطهران من شأنها إلحاق الضرر بمصالح إسرائيل. من هنا تستطرد الوثيقة إلى رسم إطار عام لما تنصح الحكومة بالعمل على منعه؛ فـ"الولايات المتحدة مهتمة بإنشاء تحالف إقليمي ودولي ضد إيران. وقد تكون إسرائيل هي الطرف الذي يدفع الثمن". وتتنبأ بأن إيران والولايات المتحدة ستبدآن محادثات وأن على إسرائيل أن تعمل لمنع أي اتفاق من شأنه أن يكون "إشكاليا" من وجهة نظرها.
وكانت "هآرتس" نشرت في وقت سابق (6/11) تقريرا حول موقف إسرائيل من بحث الإدارة الأميركية في فتح "مكتب لرعاية المصالح الأميركية" في طهران وما تردد من أن الرئيس جورج و. بوش سيتخد هذه الخطوة قبل انتهاء ولايته. وكشفت أن إسرائيل أرسلت رسائل على مستوى رفيع إلى واشنطن تعترض فيها على ما تنويه واشنطن. وحسب الصحيفة، فإن قلق إسرائيل من تقارب أميركي إيراني تعزز بكون الرئيس المنتخب باراك أوباما كرر أثناء حملته الانتخابية أنه في حال انتخابه سيفتح حوارا مع إيران. وأنه في ضوء ذلك، تسعى إسرائيل إلى أن تكون مصالحها محمية في أي حوار بين واشنطن وطهران.
***
ما هي القراءة أو القراءات الممكنة لهذه المعلومات المنسوبة إلى وثيقة أعدتها "المؤسسة الأمنية" في إسرائيل، لن تلبث أن تعرض على مجلس الوزراء؟
القراءة الأولى والتي تكاد تكون بديهية؛ هي أن محتويات الوثيقة جرى تسريبها عمدا كجزء من "حفلة استقبال" إسرائيلية للرئيس المنتخب. فإسرائيل لم تحرص على إخفاء تفضيلها أولا لهيلاري كلينتون ثم لجون ماكين حتى لحظة فوز أوباما، وعليها أن تتحسب لأثر هذا عليه.
لكن العنصر الأهم هو أنه رغم أن لها "على كتف" أوباما مواطن إسرائيلي هو رئيس موظفي البيت الأبيض رام إيمانويل، صاحب المؤهلات الصهيونية التي لا يعلوها غبار، تربى في بيت ينتمي إلى "الأرغون"، المنبع العنيف لسلالة أقصى اليمين الصهيوني بأطيافه الباقية جميعا، من "كاديما" إلى "الليكود" وإلى اليمين سِر حتى "إسرائيل بيتنا" و"يهود هاتوراة" وما أشبه، إلا أن إسرائيل – في ما يبدو – لا تستطيع الاطمئنان إلى ذلك. إذ ربما ترى في أوباما "فصيلة"جديدة وغير مألوفة من الرؤساء الأميركيين. وقد شفَّ هذا في التحليلات الإسرائيلية لحملته الانتخابية، إذ لاحظت أن تمويلها لم يقتصر على "المصادر التقليدية" لسابقاتها، بل امتد إلى فئات من الطبقة الوسطى ذات الموارد المالية المحدودة. وأن حملته الناجحة لتسجيل ناخبين جدد استهدفت من وصفوا بأنهم جيل جديد من الشباب غير متعاطف بالضرورة مع إسرائيل. أي أن قيود ارتهان أوباما لما درجت عليه الحياة السياسية الأميركية من قوى، أضعف من أي من سابقيه. وربما توصلت من هذا إلى أن اختياره إيمانويل لذلك الموقع المتنفذ والحساس يقع ضمن حسابات أخرى لم تتضح بعد.
يضاف إلى ذلك أن أوباما، حتى بعد فوزه، أكد على اختيارات سياسية لا ترضى عنها إسرائيل في ما يخص الشرق الأوسط، أبرزها ما "حذرت" منه الوثيقة: بدء حوار مع إيران.
لهذه الأسباب على الأقل، تحتاج إسرائيل إلى "حفلة استقبال" من هذا النوع للرئيس الذي يقف على أعتاب البيت الأبيض.
***
لكن قراءة أخرى قد لا تهوّن من مغزى الوثيقة باعتبارها تسريبا مقصودا لأغراض من قبيل ما سبق. إنما تراها وثيقة تعبر عن نيات إن لم تكن خططا إسرائيلية حقيقية.
في تلك القراءة الأخرى إن ما ورد فيها في شأن تحرك إسرائيل نحو "تسوية إقليمية" للصراع بينها وبين العرب، طالما عارضتها ونجحت في عرقلتها، هو تحصيل حاصل. فهي، من ناحية، ترى أن التسوية التي ترضيها في متناول يدها. ومن الناحية الأخرى والأهم، أن تلك التسوية يمكن أن تتحقق بشروط تضع في يدها ورقة قوية في الموضوع النووي الإيراني، الذي يعنيها أكثر من غيره.
هنا سؤالان:
-1 ماذا يعني أن تسوية إقليمية لصراع إسرائيل مع جيرانها العرب تضع بيدها ورقة قوية هي هذا الموضوع؟
-2 لماذا يعنيها الموضوع النووي الإيراني أكثر من غيره؟
جواب أول السؤالين وارد في "ورقة" المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حسب ما نقلت عنها "هآرتس": إن إسرائيل، في تعاملها مع هذا الموضوع، تحتاج إلى تعاون إقليمي، يعني عربي، يصعب تحققه على الوجه الذي يفي بالغرض منه طالما بقي ذلك الجرح العربي مفتوحا. والظرف مؤاتٍ. من ناحية، هاهم العرب يتسابقون على "رضا" إسرائيل شرط أن تعطيهم ما يحفظ ماء الوجه. ومن الناحية الأخرى، لا تكاد تخفى في أوضاع إسرائيل وسلوكها معالم "إرهاق الصراع". بما في ذلك تزايد قوة اليمين الصهيوني وتصاعد تشدده، في وقت أنتج نجاح إسرائيل تزايد نفوذ طبقتها الوسطى المنتعشة والمزدهرة التي تريد أن "ترتاح وتستمتع" بثمار ما حققت، دون التخلي، طبعا، عن تفوق قوة إسرائيل، لأنها أثمن الثمار.
وظيفة التعاون الإقليمي (العربي) الذي تنشده إسرائيل، هي توفير غطاء لطموحات الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية. في هذا الضوء يمكن فهم ما تبذله إسرائيل من جهد لإذكاء نار فتنة سُنية / شيعية، من جمر كامن تحت رماد تاريخ طويل متنازع عليه ـ مثل كل التواريخ ـ يلعب فيه التاريخ الملتبس للخلافات المذهبية في الإسلام مع "الجغرافيا السياسية للتخلف" ـ إن جازت العبارة: دور المادة الجاهزة للاشتعال. وهذه تنضح أيضا في حديث "ورقة" مؤسستها الأمنية عن "النظم العربية السنية".
الورقة القوية التي تنشدها إسرائيل هي تحالف تعتقد بإمكان قيامه بينها وبين تلك النظم ضد الشيعة ـ يعني ضَد إيران.
أما لماذا يعني الموضوع النووي الإيراني إسرائيل أكثر من غيره فسؤال عويص.
الجواب الإسرائيلي، والذي تردده "الورقة" هو أن إيران نووية "تهدد بقاء إسرائيل". وربما تؤكد تصريحات الرئيس الإيراني هذا الجواب. لكن المسألة تحتاج إلى تمحيص.
حلقة ثانية: اسرائيل تريد فرض مجالها "الامبراطوري" قبل فوات الأوان
( صحافي مصري)
"النهار"




















