في سنة 1998 أعلن جزء من الصومال انفصاله واستقلاله الذاتي باسم جمهورية «بونت لاند» وتقع في الشمال الشرقي من الصومال. وبالتدريج بدأ يظهر قراصنة صوماليون مسلحون سرعان ما خطفوا الأضواء بعملياتهم المتصاعدة. لقد أصبحوا يمارسون قرصنتهم ضد السفن التجارية الكبيرة التي يطالونها بالاختطاف تحت تهديد السلاح للحصول على فدية ضخمة متزايدة في عملية بعد أخرى مقابل الإفراج عن تلك السفن.
لم يكن مفاجئا إذن أن تصبح القرصنة المسلحة المستخدمة في خليج عدن هي الأخطر. فخليج عدن هو الممرّ الإستراتيجي بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، ونصف البترول المستهلك عالميا يمرّ عبر هذا الطريق البحري بين اليمن والصومال وتسلكه كل سنة 16 ألف سفينة بمتوسط أربعين سفينة يوميا. ونجح القراصنة الصوماليون في 25/9/2008 في اختطاف سفينة أوكرانية تحمل 33 دبابة روسية من طراز «تي 72» وأسلحة وذخائر أخرى قيل إنها كانت في الطريق إلى جنوب السودان عبر كينيا.
بعدها وقع الحدث الأكبر وهو اختطاف القراصنة لناقلة بترول عملاقة تحمل مليوني برميل من البترول السعودي في الطريق إلى أميركا. الاختطاف جرى في المياه الدولية في خليج عدن على مسافة 450 ميلا بحريا من ساحل كينيا. وفي حينه كان أحد التساؤلات الحائرة هو: كيف استطاع قراصنة صوماليون بزوارق صغيرة أن يهددوا ويختطفوا مثل تلك الناقلة العملاقة، والتي يحتاج مجرد الصعود إليها إلى خطاف وحبال تمتد من سطح البحر إلى سطح السفينة بطول يتجاوز ارتفاع برج ساعة «بيغ بن» في لندن؟ لقد أصبح ذلك الاختطاف منذ ذلك الوقت أكبر غنيمة تحققها القرصنة البحرية في أي مكان في العالم.
اتبع القراصنة تلك العملية بعمليات متتالية للاستيلاء على سفن أخرى، بما في ذلك سفينة من تايلاند لصيد أسماك التونة وناقلة كيماويات من تركيا وسفينة قمح متجهة إلى إيران وسفينة بضائع يونانية, بما جعل عدد السفن التي يحتجزها القراصنة حاليا 19 سفينة، كلها بهدف الحصول على مبالغ مالية متزايدة. أيضا كلها يتم سحبها إلى مناطق محددة في الساحل الصومالي، وبالذات ثلاثة موانئ هي «إيل» و «هوبير» و «هراديرن». أما الحكومة الانتقالية في العاصمة الصومالية مقديشو وهي المعترف بها دوليا على رغم عجزها الواضح، فقد دعت الأساطيل الأجنبية لعمل ما هو ضروري لوقف القراصنة حتى لو استدعى ذلك مهاجمتهم على شواطئ الصومال.
كانت هناك من البداية علامات استفهام تبحث عن إجابات صحيحة. فالصومال من الأصل يشغل أطول ساحل في كل أفريقيا. وساحله على شكل ضلعي مثلث أحد زواياه يطل على خليج عدن والآخر على المحيط الهندي. وبتلك الصفة لا يصبح موقع الصومال حيويا فقط وإنما حيويا بدرجة أكبر لحركة الملاحة البحرية القادمة من الخليج لتتجه إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس أو لتتجه إلى غرب إفريقيا والمحيط الأطلسي عبر رأس الرجاء الصالح.
أدرك العالم متأخرا جدا أن استمرار انهيار وتفكك الدولة الصومالية ليس خطرا محليا أو حتى إقليميا فحسب، وإنما أيضا يخلق فراغا أمنيا استثمره القراصنة المسلحون لتهديد حركة التجارة البحرية العابرة لتلك المنطقة شمالا وجنوبا. بل ان آخر سفينة ضحية للقرصنة جرى اختطافها من المياه الدولية قبالة ساحل تانزانيا، وقبلها ناقلة البترول العملاقة قبالة ساحل كينيا.
المسألة المحيّرة الأولى كانت معرفة الجميع أن معظم القراصنة ينتمون إلى منطقة واحدة هي «بونت لاند» ويعيشون في بلدة واحدة هي «بوساسو» ويخبّئون السفن في ثلاثة موانئ محددة، وكل هذا يسهّل عزلهم، خصوصا أن المجتمع الدولي يعلم أين هم القراصنة وأية موانئ يستخدمونها بل ويعرف أيضا سفينتهم الأم الرئيسية التي توجه عمليات الاختطاف. المسألة المحيرة بدرجة أكبر هي أن تلك المنطقة تحديدا تشهد وجودا بحريا حربيا مكثفا لسفن وطائرات الأسطول الخامس الأميركي اضافة الى وجود قاعدة حربية أميركية فرنسية مشتركة في جيبوتي الجارة الشمالية للصومال، فضلا عن سفن حربية من حلف شمال الأطلسي وروسيا والهند ودول أخرى. كل هذا الى جانب التواجد الإسرائيلي المستجد سواء عبر العلاقات الوثيقة مع إريتريا في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر أو في الوجود المستتر في كل من كينيا وإثيوبيا. وحين دعت مصر في الشهر الماضي إلى اجتماع تشاوري للدول المطلة على البحر الأحمر كانت إريتريا هي الدولة الوحيدة التي اعتذرت عن عدم الحضور.
في الأزمة الصومالية هناك اتجاهان متعارضان من البداية. اتجاه يدفع إلى تدويل المشكلة حتى ولو على حساب سيادة دول الإقليم. واتجاه آخر يريد أن يكون المدخل إقليميا بالأساس. أصحاب الاتجاه الثاني يرفضون إعطاء تفويض مفتوح بالتدخل المسلح إلا بشرط مراعاة سيادة كل دولة على سواحلها. إندونيسيا وماليزيا مثلا تتحسبان لأية سابقة هنا قد تنتقل إلى منطقتهما في آسيا.
وفي قرار مجلس الأمن رقم 1816 كان الحل الوسط هو أن يكون التفويض بالتدخل المسلح لمدة محدودة وبشرط موافقة الحكومة الانتقالية في الصومال وهي المعترف بها دوليا على رغم عجزها. وحين أصدر مجلس الأمن قراره الجديد في 3 الشهر الجاري برقم 1846 كان هذا إعادة تأكيد للقرار الأول من حيث التفويض لمدة سنة باستخدام القوة المسلحة ضد القراصنة الذين يختطفون السفن التجارية قبالة الساحل الصومالي، وذلك بموافقة من الحكومة الانتقالية على دخول المياه الإقليمية للصومال لمطاردة ومهاجمة القراصنة مع احترام نصوص القانون الدولي المتعلقة بالأعمال في عرض البحر.
بعدها مباشرة انطلق الاتحاد الأوروبي في عملية بحرية مشتركة تقودها بريطانيا وتتضمن ست سفن حربية وثلاث طائرات استطلاع وكلها تابعة لثماني دول أوروبية. تلك القوات المشتركة ستباشر دوريات أمنية واستطلاعية عبر مليون كيلومتر مربع تمتد من المحيط الهندي إلى خليج عدن. هذا الى جانب مساهمة سفن حربية أخرى من الأسطول الخامس الأميركي ومن الهند وروسيا وماليزيا.
هذا التدخل الدولي المسلح سيحقق نتائج عملية تقلص أعمال القرصنة إن لم تقض عليها تماما، لكن السؤال الكبير يظل حول مصير الصومال ذاته. فاستعادة الدولة ذات السلطة المركزية هو وحده الذي يمكّن الصومال من حماية سواحله. من ناحية أخرى فإن الانهيار الاقتصادي للصومال كان هو أيضا السبب وراء شروع قراصنة الصومال في شن عملياتهم عندما لم تعد هناك حكومة قادرة على حماية صياديها ضد تتابع سفن الصيد الغربية الكبرى القادمة عبر المحيطات لتطارد بشكل غير مشروع أسراب أسماك التونة عند السواحل الصومالية وتزاحم أولئك الصيادين الفقراء على مورد رزقهم مما اضطرهم إلى التسلح وبمرور الوقت الخضوع لسيطرة القراصنة الذين جعلوا القرصنة طريقا للثراء.
بذلك يصبح السؤال هو: إلى أي حد سيدعم المجتمع الدولي الصومال الجديد ليصبح قوة لإقليمه وليس خطرا عليه؟ لقد جرت في الشهر الماضي تسوية سياسية في جيبوتي مع الحكومة الانتقالية الصومالية أملا في توسيع قاعدتها بمعارضين معتدلين. وفي العاشر من الشهر الجاري انطلقت في نيروبي عاصمة كينيا أعمال مؤتمر تحت رعاية مشتركة من كينيا والأمم المتحدة لبحث الموضوع نفسه. لكن فرصة مثل تلك المؤتمرات في النجاح والفاعلية ستصبح أكبر لو تذكر الجميع أن مقديشو عاصمة الصومال أصبحت تعيش أسوأ أوضاعها على الإطلاق ومئات الآلاف من سكانها الجائعين يعيشون في معسكرات إيواء خارج المدينة، التي هي عاصمة لدولة غنية بالموارد الطبيعية من الحديد واليورانيوم والغاز فضلا عن احتمالات بترولية مؤكدة. الأمم المتحدة لم تقدم الكثير ماليا، لا للصومال ولا للاتحاد الإفريقي الذي كان مستعدا للمساهمة بثمانية آلاف جندي فاكتفى بثلاثة آلاف لافتقاره إلى الدعم المالي. وخلال أيام سيعود مجلس الأمن إلى فتح ملف الأزمة الصومالية بتوسع ليومين متتاليين. فإذا تجاوز المجلس أعراض الأزمة ليتعامل مع جذورها ستكون تلك هي البداية الصحيحة.
* كاتب مصري
"الحياة"




















