لم يكن مفاجئًا إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما عن استراتيجيته الجديدة للأمن القومي "عقيدة أوباما" وذلك لأن كل رئيس أميركي ملزم بموجب القانون بأن يقدم للكونجرس وثيقة حول استراتيجيته الخاصة لضمان الأمن القومي الأميركي. لكن المثير في الاستراتيجية الجديدة أنها تخلت عن استراتيجية رعاة البقر التي كان محور ارتكازها ما يسمى الحرب على الإرهاب والحرب الاستباقية ، وفصلت بين الإسلام والإرهاب والتركيز أكثر على العمل الدبلوماسي والتعاون الدولي في التعامل مع الأزمات الدولية التي تؤثر في المصالح القومية الأميركية.
فواضح أن الولايات المتحدة بدأت تدرك حجم المآزق والأخطار التي أوقعتها فيها السياسات المغامرة لليمين الأميركي المتطرف بشكل خاص بزعامة الرئيس السابق جورج بوش (الصغير)، وأن تغير الأحوال وتقلب الظروف مع تقلبات الأيام والدهور من سنن الحياة ، فدوام الحال من المحال ، ذلك أن صورة الولايات المتحدة التي لطختها السياسات العدوانية المغامرة التي التصقت بها على مدى عقود والتي زادتها استراتيجية رعاة البقر الهمجية تشوها وقمائة ، تلك السياسة التي كانت تنفذ تحت شعارات زائفة مثل: حماية الأمن والاستقرار العالمي ، ونشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان ومناصرة الشعوب ، والقضاء على الأمراض والجوع والفقر ، تلك السياسة التي أدت الى إضعاف تحالفات الولايات المتحدة وبالتالي أضعفت قدرتها على حل مسائل وقضايا تتعارض مع سياساتها ومصالح حلفائها .
فأصبحت اليوم تستجدي المواقف والأمثلة على ذلك كثيرة. فعلى الصعيد العسكري والاقتصادي مثلا ، وكنتيجة لتلك السياسة الحمقاء ، فحدث ولا حرج فالعجلات الأميركية لا تزال غارزة في المستنقع العراقي والوحل الأفغاني ، وتسعى حاليًّا إلى إيجاد أوضاع هادئة تسمح لها بخروج آمن ، ويوم أمس الأول أقر مجلس الشيوخ الأميركي مشروع ميزانية إضافية للعام الحالي يذهب جزء كبير منها لتمويل العمليات في أفغانستان والعراق .
وينص المشروع على تخصيص أكثر من 33.4 مليار دولار لوزارة الدفاع بينها 24.6 مليار للعمليات والصيانة و9.4 مليار لشراء معدات عسكرية جديدة، وسيذهب الجزء الأكبر من هذه الميزانية لتمويل الـ30 ألفًا من القوات الإضافية في أفغانستان التي أعلن عنها الرئيس أوباما العام الماضي، كما سيذهب جزء منها لتغطية النفقات في العراق، ويخصص مبلغ 4 مليارات إضافية لوزارة الخارجية لتمويل زيادة الجهد المدني في تقديم المساعدات الاقتصادية لأفغانستان وجارتها باكستان. ومثل هذه الحروب غير الشرعية والحمقاء جعلت من الاقتصاد على مشارف انهيار تام، حيث تطاير شرر الأزمة المالية العالمية إلى كل مفصل من مفاصل الاقتصاد الأميركي.
إن عقيدة أوباما في استراتيجيته الجديدة كفيلة بإتاحة الفرصة لمعالجات دبلوماسية ومتأنية ، والتخلي عن السياسة الأحادية الجانب ، وإعطاء المقاربات زمنها وحقها، بعد أن تبين للقوة العظمى أن القوة ليست كل شيء، وأن الرياح تسير عكس ما تشتهيه سفنها.
إلا أن المطلوب من هذه الاستراتيجية أن يتم تجييرها لصالح قضايا الشعوب العادلة ومناصرتها وإرجاع حقوقها ، وأول حق يجب إعادته حق الشعب الفلسطيني في زوال الاحتلال عن أرضه وإقامة دولته ، وردع سياسات التحريض والتأليب التي يقوم بها الكيان الإسرائيلي ، والتنبه لها فهو السبب المباشر في توريط الولايات المتحدة في حروب خاسرة وهو المستفيد الأوحد منها ، خاصة وأنه قد ثبت لأميركا وللعالم أجمع عدم صواب كل ما أشيع من أسباب للدخول في هذه الحروب التي جرهم إليها الكيان الإسرائيلي ومناصروه المتغلغلون في الدوائر الأميركية. ولذلك فإن الولايات المتحدة إذا ما أرادت أن تنظف ـ وليس تلمع ـ صورتها وتكسب احترام الجميع ليس في الشرق الأوسط ، وحسب ، بل في العالم كله أن تتخلى عن سياسة الكيل بمكيالين والفوقية والغطرسة ، وتبني السياسات الكاذبة والمخادعة تجاه القضايا والهموم المعاصرة التي تعاني منها البشربة.
الوطن




















