يبدو لبنان الآن وكأنه يعيش حالة من السباق المحموم بين التهدئة والتأزم. الثاني تتمدّد رقعته، والأولى تتراجع أجواؤها. في الأيام الأخيرة، تسارعت وتيرة التصعيد والتدهور. الخطاب بدأ يسوده طابع التراشق المألوف، ولو الخفيف نسبياً، بين الأطراف.
مشهد الاصطفافات والفرز، عادت بوادره تطل برأسها، أو على الأقل هي تهدّد بمثل هذه العودة. والأخطر أن التوتر السياسي المرتفع منسوبه في الآونة الأخيرة، بدأ يأخذ تعبيراته الأمنية على الأرض.
الحادث الذي وقع في الشمال، زاد من «كهربة» الجو العام؛ بالرغم من تطويقه ومن كل ما قيل عن غلبة الطابع الثأري العائلي عليه. وقوعه في لحظة مشحونة بالجدل السياسي المحتدم، وضعه في خانة التطورات المفتوحة على المزيد من الاستحضار لمناخات الماضي غير البعيد.
صحيح أن إجراء الانتخابات البلدية، جدّد إلى حدّ بعيد المعادلات والتحالفات السابقة المأزومة، لكن ما كانت الحالة لتبلغ نقطتها الراهنة، لولا ارتفاع درجة الاحتقان الذي تعيشه البلاد منذ فترة. احتقان ناتج عن تضافر عدة عوامل ومعطيات؛ تراوحت بين حالة الركود السياسي المتمادية وما أدت إليه من تأجيج للخلافات، وبين سخونة الظروف الإقليمية وتفاعلاتها.
مزيج كان من شأنه أن يزيد من هشاشة الوضع اللبناني، ويهدّد أجواء التهدئة القائمة، بل هو بات يهدّد طاولة الحوار الوطني. في الأيام الأخيرة، سرت أنباء عن احتمال صرف النظر عن جلستها القادمة، أوائل يونيو القادم. تراجع، لو حصل، من شأنه أن يفتح الساحة على المزيد من الأخطار.
والأنكى أن كل ذلك يجري، فيما إسرائيل ترفع من وتيرة تهديداتها للبنان بشن حرب قاسية ضدّه. فلا يكاد يمر يوم من دون تصريحات إسرائيلية في هذا الخصوص، ناهيك عن التدريبات التي تجريها بالقرب من حدوده والاستعدادات التي تقوم بها، تمهيداً لعدوانها المرتقب. ومع ذلك يزداد وسع الهوة بين اللبنانيين، وتعود لغة التباعد إلى قاموسهم السياسي اليومي.
الأجواء الراهنة تهدد بتبديد التوافق الوطني القائم، على هشاشته، بل بخطر الانزلاق إلى الماضي، أو شيء منه. تجربة لبنان فيها من الدروس ما يكفي لاجتناب مثل هذا السبيل.




















