غسان تويني
الحكومة التي يحزننا اننا وصفناها قبل تأليفها بأنها حكومة متاريس متقاتلة لا يمكن ان تتآلف منها الوحدة الوطنية التي ارادها رئيسها للبنان، ولا حتى الاتحاد بين مكوّنات هذا الوطن… أو مكوّنات مجلس نوابه!
هذه الحكومة، ها هي تكلل عجزها عن اتخاذ أسهل القرارات، بدءاً بالتشكيلات القضائية التي هي الخطوة الأولى والأبسط – مهما بدت معقّدة – في تمكين السلطة القضائية من العودة الى ممارسة صلاحياتها المشلولة للأسباب التي اسهب في شرحها كل المعنيين والعارفين بها، ولا سيما نقابة المحامين، وهي "القوة" المتلازمة معها شرعاً…
هذه الحكومة تفجرّت أول من أمس، ولا نقول ان "الثلث المعطّل" فجّرها… فالثلث المعطّل اذا فعل يكون قد فاجأ السذّج والجهلة فقط… وهو الذي قلنا عنه وله إن مقاربته للاشتراك في الحكم انطلقت من خطيئة مميتة… فالحكومة تؤلف دستورياً لتحكم لا لتقرر سلفاً كيف ستتعطل ومن تعطى له حقوق تعطيلها!
وفي الديمقراطية، كي وعندما تستقيم، تتمركز المعارضة خارج الحكومة ولا تأتي بمتراسها الى داخلها معلنة سلفا انها هناك، ممسكة بصلاحية تعطيل الحكم اي شل الحفاظ على مصالح الوطن والمواطنين…
بل وأكثر. المعارضة لكي تمترس خارج الحكومة تراقبها وتترقب اللحظة المؤاتية للتصدي لها ومحاسبتها، وعند الحاجة اسقاطها ضمن ما يسمى "اللعبة البرلمانية"… والأحرى أن نقول الأصول الدستورية والقواعد والتقاليد!
والأنكى ان المتاريس الداخل الحكومة يفجّرونها حول أدق قضية: الرقابة على انتخابات ثمة اجماع على انها ستكون ويجب ان تكون مصيرية، تقرر مستقبل لبنان ونظامه الديمقراطي المهدد من كل جهة، خارجياً وداخلياً… فهل يعقل ان تعهد الحكومة الى الاشراف على الانتخابات الى هيئة لا يفرض تكوينها القدر الكافي من الاحترام الذي من دونه لا قدرة لها على اشاعة الطمأنينة الديمقراطية بين المرشحين، فكيف بالناخبين؟!
• • •
ما العمل اذاً؟ وماذا نقترح؟
بداية الطريق ان يقتنع الرئيس السنيورة بأن حكومته صارت مجموعة "أوزار" لا وزراء، وان الحكمة تفرض استقالتها مجتمعة قبل أن تتفجّر أشلاء في وجه رئيسها ورئيس الجمهورية الذي ابتُلِي بها في مطلع عهد جديد اعلن له الرئيس شعاراً ان "الديمقراطية هي مساءلة ومحاسبة"…
فليحاسب رئيس الحكومة وزراءها (ولا نقول وزراءه، لأنهم جميعاً وزراء أنفسهم فقط لا غير!!!) طارحاً عليهم سؤالاً واحداً اخيراً: هل يظنون بصدق ان في وسعهم بعد قيادة السفينة في البحر الهائج وايصالها الى الربيع الذي نخشى أن يتحوّل خريفاً للحكم برمته، وليس للحكومة والوزراء الذين لم يعد لديهم ما يستحق الانقاذ.
وماذا بعد؟
يعود الرئيس السنيورة، متسلّحاً بأن المجلس لم يحجب عنه (بعد؟) الثقة… يعود على رأس حكومة "ململمة" متجانسة مؤلفة من شخصيات قوية ولا "ثلث معطل" ولا من يحزنون، حكومة تصبح قوة ضاربة قادرة على الاتفاق على القرارات المطلوب اتخاذها لانقاذ ما لا يزال من الممكن انقاذه من الحكم وقادرة خصوصاً على ايحاء الثقة بأنها ستجري الانتخابات بحرية وسلامة… سلامة الناس الناخبين وسلامة قانون الانتخاب والانظمة وسلامة النتائج الانتخابية من المتربصين بالعملية الانتخابية ليعيدونا الى وراء… وفي أحسن الحالات لمنعنا من اكمال الطريق الديمقراطي الذي بدأ سليماً عاقلاً حكيماً مع العهد الجديد… وتـتكاثر في الداخل والخارج القوى المتأهبة لضربه.
فهل يستمع الرئيس السنيورة ويستجيب ويحاسب، قبل أن يحاسبه الناخبون الحساب الأعسر؟…
أم يحاسبه النواب، أو "في آخر الدواء" يحاسبه الرئيس الذي ناط به الدستور صراحة صلاحية الحفاظ على الدستور والحكم والوطن؟…
علماً بأن الوطن والحكم والدستور في ميزان قد لا يحتمل طويل انتظار.




















